Yahoo!

http://patler55.blogspot.com/


عندما استيقظت .....


 

كان العالم فى الظهيرة


 

" رامبو " 

البدلة الجبس 5/6

كتبها شوكت عبد العزيز ، في 14 نوفمبر 2011 الساعة: 03:24 ص

 

رغم حرصي الدائم لأن لا أنتج حكم قيمة، لكن للصدق لم أرَ في شعر العامية تأسيسا يتماهى مع مكونات الحقيقة الاجتماعية كإطار ضاغط وحاكم لكل الظواهر النصية بهذا الانسياب والبكارة، بالإضافة إلى طغيان الحقيقة الشعرية، والتي بدت في عطاء يجب الانتباه إليه فعلا.
صوت شعري لا أعرف سببا واضحا لغيابه، بل يبدو في ذاكرة جيله ورفاقه، وكأنه تراثا حكم عليه النسيان بالنفي، وأقول على سبيل الجملة الاعتراضية: إن طقس العامية السكندرية بوجه عام يفتقر إلى الحد الأدنى من الموضوعية والشهامة في آن، ولاسيما أن شاعرية "إيهاب الشاعر" في ذائقة مجايليه تعاني نفس الإصرار اللافت على نفيها بنفس الدرجة التي تحدث مع شعر "طارق السيد" إلا من رحم الله؛ لذا؛ ورغم عدم لقاءي بهما واقعيا، لكن؛ ليكن إيهاب الشاعر هنا؛ كتابة من أجل العامية.
 
إن السريالية ليست غيابا متعمدا للمنطق الذي يحكم ظواهر الأشياء، أو تعبيرا عن موار لاواعي، أو انسلالا للمناطق العمياء من الذاكرة الجريحة وحسب، وإنما أدوات قديرة تساعد شاعرية ذات مواصفات خاصة؛ تتسلل إلى حالات جنونها، بقصد استقرائها، وإعادة تنشيط فاعليتها؛ كي تتضافر مع الإنتاجية الشعرية، وتؤكد فيما تؤكد تنامي حالات الشطط الفكري، أو تمظهرات الحيرة التي تؤثر في تبني رؤية متفردة لمنطق الأزمة ومعطياتها.
لم يكن احتفال الحداثة بالسريالية في إطار الصورة الشعرية –مثلا- كأداة للتعبير عن التوتر أو التورط في إشكالية التشظي، سواء في البنية اللغوية، أو في منحى الأفق الدلالي سوى محاولة لإعادة ترسيم الخيال نفسه وتحطيم الأنساق التي بدت كحيل بريئة في شعر يتسم إلى حد بعيد بالنمطية، وإنما قصدت لأن يتحول النص في بعض تأويلاته إلى ما يشبه حديث أريكة، ومكاشفة لطبيب يعالج إنسانية على درجة كبيرة من الإحباط المأزوم، وتعاني انكسارا ضاغطا، بدا الواقع فيه وكأنه بلا معنى.
 
في ضوء هذا النص الذي وجدته في كتاب"رؤى" في صدفة قدرية في الحقيقة، لا تبدو السريالية في شكلها المألوف، ولا مستويات التجربة الانفعالية المتسمة بالتوتر الحاد، ولا موار لاواعي يكشف شذوذ الرؤية، ولا مستويات معينة من التشظي التي تفجر منطق الحبكة الدرامية للنص إذا جاز لنا أن نصفها هكذا، ولكننا نلحظ سريالية أنتجتها الشاعرية على غير مثال، ولأنها خاصة جدا، ارتدت ثوب البساطة كي تخفي هذا الموار الذي يجوز تأسيس السريالية فيه على اعتبارات خاصة.. منها:
1- مناخ الارتباك وعدم الثقة.
2- فقدان المعيارية.
3- فوبيا الزمن، وسرابية الفرص.
 
كل الحاجات بتشدني لشارع جديد(*)
وكل احتمالات الغنا
ف عيون صحابي
وف عيون بنت الجيران
أشباح تملي باشوفها في الحزن المفاجئ
 
إن مناخ الارتباك وعدم الثقة عندما يكونان مستندين لشاعرية تمتلك زاوية رؤية خاصة بها، لا يبدو إلا في ثوب ارتباك مرجعي أصلا، يحتفظ لنفسه بالبقاء في محيط جدلية تبدأ من معطيات المُتخيل، وما هو كائن فعلا. التصور المثالي للواقع، ولقاء تشوهاته وجها لوجه، وهنا لا تبدو الذات الشاعرة، أو الذات عموما بصدد إنتاج حكم قيمة فيما يتبدى لها من مفارقات مرجعية، ولاسيما أن هذه النوعية من المعالجة تقر ضمنيا أن هناك ثمة فكرة سابقة عن العالم، وهذه الفكرة بدورها الميزان الذي ستقيس عليه وتضبط حركتها على ضوءه، لذا تضيع الفكرة والتصورات في طقس غرائبي، لا يمكنها من إنتاج حكم قيمة يخص هذا الكم من الفوارق الجوهرية بين المعتقد والمتحقق. وهذه أول بذور التوجه السريالي الذي يفقد في واحدة من دلالاته هذا الواقع الكثير من منطقيته، لكن الجديد هنا أن مقدرات التشوه، أو إبداء حالة الحيرة الممتعضة لا تؤسس لنفسها إحساسا معينا بالقبح أو الاتكاء على مفردات شاذة في ذاتها، بل تؤكد بفاعلية أن كل ما يحدث غير قابل للتحديد{ كل الحاجات/ وكل احتمالات} حاجات يصعب تحديدها، والغناء لا يرقى لرتبة اليقين، بل ظل في دائرة الاحتمال. سواء في{ عيون صحابي/ عيون بنت الجيران}.
 
عند التماس مع فيوضات بهذا المزاج الحائر لا تتجاوز حدود الارتباك معطيات رؤية مأزومة في ذاتها، وهذا في حد ذاته أول انعتاق من جوهر السريالية المعروفة، ولكنه ارتباك التوصيف الحادث على محك الفاعلية النفسية، والمرجعية في آن، ولاسيما أن الحاجات التي هي منتمية أصلا للشارع القديم قد تم تجاوزها، نحن هنا لأشياء خاصة"تشده" للشارع الجديد، والذي لم نتبَّين معالمه، لكننا نلتمس حالة أخرى من التناول المُسريَّل لعلاقتين إنسانيتين لا يمكن الربط بينهما بسهولة،{ عيون صحابي/عيون بنت الجيران} رغم وجود أرضية مشتركة تم تكريسها لفعل (الغنا).
 لا يمكن الربط، وإن اجتهدنا لأن يحدث، لأن سريالية الرجل ليست مُبهمة، ولكنها لا تفصح كذلك، وخصوصا في إبراز الصراع الفكري، رغم وجود العامل المشترك الذي أشرت إليه كمشترك بين حالتين يبدوان مختلفتين، ولكنها نتيجة لسبب، أو سبب يجتهد لأن يصل لنتيجة، هنا اختزال الرؤية أو بترها أو تهويمها ليس بأي حال مخافة التورط في أحكام قيمة قد لا تكون صحيحة، ولكنها تفاعل مرتبك بين إشكالية الغناء سواء عند مستوى الأصحاب، أو عند بنت الجيران، والتي بدت كإشارة لأنثى في ثوب الأمنية.
 
إننا لا ننتحل أمزجة عدم الثقة في العالم إلا على ضوء تجارب متصلة تخلق هذا الشعور. لكن لا يمكن توظيف هذا الربط بلا جدوى واضحة قالها المتن الشعري، ولا نسعى لتبرير المضمر، وإن كنا نسعى للتعامل مع (الغنا) كمفردة إشكالية في عملية الربط نفسها، ولاسيما إذا تساوت الاستحالة بقناعة الاحتمال في عيون بنت الجيران كمعادل موضوعي للأصحاب أنفسهم، بل إننا نتجاوز ونجاهر أن الارتباك هنا عاجز؛ مرة لوجود المفردة في دائرة الاحتمال، ومرة لبنت الجيران كحالة لم تُحسم يقينا كتناول عاطفي محسوم النتيجة، ولاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الحتمي في المسألة كان في حضور كل ما سبق في صورة أشباح مرتبط تجليها مع ذاك الحزن المفاجئ.
 
إن الانفصال الواع عن هذا العالم المرتبك كان اتجاها خاصا لشاعرية حققت طرحها الخاص، انفلتت جدليا من مغبة العجز عن التوضيح والتحديد إلى دوائر صنع قرارها الذي يحمل في طياته رغبة لصياغة غربتها.
 إن هذه الروح تعاني، وإن كانت تصر على عدم الإبانة، لا عن عدم ثقة في جدوى الإعلان عن هذا الكم من الشروخ والهزائم، ولكنها أزمة تواصل لا يمكن ربطها من جانب واحد بالذات الكامنة خلف فعل الكتابة، وإنما هي أزمة يجوز ربطها بالشاعر الحقيقي الذي يصارع العديد من المعطيات الضدية التي تناصبه العداء.
 
إن عامية الرجل تصارع نفسها والحقيقة الاجتماعية في آن، رغم تزاحم أطياف هذه الأخيرة في متن النص، لذا فإنها ليست ريبورتاجية في حال انفصام، ولكنها رصد تفاعلات أزمة الذات والرؤية، أن القول بفقدان المعيارية هو إقرار بأزمة اغتراب حاد وطاعن، جدليات متواصلة في وجود ولا وجود، فاعلية وسلبية منسحبة، صدام المعتقدات والشك في جدواها، وزخم لانهائي من العبثيات تضرب المشروعية في م

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

البدلة الجبس 4/6

كتبها شوكت عبد العزيز ، في 7 نوفمبر 2011 الساعة: 05:05 ص

 

أزعم أن النصوص المتأخرة في مشروع "صادق أمين" أصبحت أكبر قليلا من مسمى النص الريبورتاج في المعنى المراد تحطيمه تحت داع التطوير، ولاسيما أنه من أكثر الشعراء السكندريين الذين يتحدثون عن التجديد في الحقيقة، لكن أزمة النص عنده ليست في الإنتاجية الشعرية في واقع الأمر، بل في هذا التأرجح بين العديد من الأهداف التي يسعى الرجل لإنجازها.
لا أستطيع إعفاء "صادق أمين" من مسئولية التطوير، بل أن العنصر الزمني الذي قطعته هذه التجربة يحول دون التسامح مع شاعريته التي إن لم تتأخر لإنجاز التطوير، فإنها تمارس بإخلاص –أحيانا- عمليات إعاقة تمنع تنامي ملامحه في النص، ولحساب أطروحة إن لم تكن ريبورتاجية بالكلية، فإنها مدعومة بمخافة لا أعرف لها سببا.
 
ربما؛ ليست تحت يدي فورة البدايات، وإن كنت تعاملت مع رأي جيله بشيء من الحذر والاحتياط، ولاسيما إنني عند لقاء شعره لأول مرة (ندوة) لا أنكر إحساسا معينا بالدهشة، لرجل يكتب من أعمق ما في ذاته، بل وعندما استعيد ذاكرة سماعه، وأربط بينها وبين بعض النصوص المتأخرة، ولاسيما التي فيها من تطرف شعري يليق بموهبته، اسقط في غياهب حيرة مرجعية تجعل تقييم نقلات مشروعه أكثر ارتباكا من شعره نفسه.
 
أزعم أن الوقوف بين قضية الشاعر وقضية الشعر كانت في نظري وقوف قدري لرجل لم يستطع للحظة أن ينتصر للاثنين معا، بل كانت قضيته أو للصدق أزمته أكبر بكثير من الرغبات التي تعتمل فيه لأن يطور، أو يخلص لمفهوم التطوير، رغم أن شاعريته في ذاتها، وقد يُدهش من يطالع هذا الحديث تحمل في دواخلها بذور التطوير، ولو على حساب منطق التغطية للجاري من أحداث تمتلك التحريض، لشاعر قيل إنه قد مارس الزجل في بداياته، وللصدق اعترف هنا أن مهما بلغ تقييم الناس لمنجز "صادق أمين" الزجلي، يظل يقيني - رأي شخصي- أن شاعريته ما كان لها أن ترتبط أصلا بقضية الزجل، رغم وجود بعض الملامح، حتى على مستوى النصوص المتأخرة، تذهب لمرافئ الزجل ولو بمرور عابر.
حاولت جهدي بلورة هذا الأمر بشكل لا يخلو من إرهاصات قد تكون مستندة لزاوية رؤية تعتمد على معرفتي بالرجل بشكل إنساني أقرب من كونه شاعرا. 
 
لاشك أن الحقيقة الاجتماعية في عامية "صادق أمين" متحققة إلى درجة تبدو لي مرعبة، بل هي رصد فاعل لصدام مفردات هذه الحقيقة والذات الشاعرة؛ لذا فنصوصه مجتمعة لا تجادل على مشروعية الانتماء لواقعها، ولا تقدم ما هو أبعد منها، رغم توفر الكثير من الملامح الحداثية التي يتحراها غالبا في نصوصه{ اليومي/ المُهمش} لكنها لا تتورط في خلق التوتر المطلوب في أداء الصورة، ولا تسعى النصوص بدورها لأي ملمح تجريدي يؤسس للامعقول، أو الحلم أو الكابوس، أو إنجاز أي نص قد يبعثر دلالاته لضرب أكثر من معنى في إطار المطروح. رغم أن منطق الأزمة في شعره كان جديرا لأن يدفعه دفعا لإنجاز عوالم متوازية يرسمها كيف يشاء، ولاسيما أن الواقع الذي يظهر في نصوصه يبدو ضاغطا جدا.
 
أهو فوق الستين
بمحطة ونص
عنده السكر عالي
والميه الزرقا على عينه اليسرى
ومحبش (يسرا) ف أوان الورد
ومعندوش غير دفتر تأمين
 
على ضوء هذا التصور يمكن قراءة "صادق أمين" بورقة عمل طرحها"لاكان" والذي راح للاعتقاد أن النص الأدبي عموما قد يكون وثيقة دالة على بعض، أو كل منتمٍ للذات التي أبدعته، أو جزء من تاريخها، وهذه ليست مثلبة يمكن أخذها عليه، ولكنها تشير بطرف خفي إلى الإطار العام الذي تتحرك على أساسه التجربة، هي لا تتهمه بالصدق، لأنه ليس تهمة بالضرورة في نصوص منتمية فعلا، ولا تتهمه كذلك بالدوران على متن التجربة الشعورية؛ لأن ثراء التجربة ينفي عنها إلى حد بعيد الثبات ومركزية منطلقاتها، ولكنها تعوق ما يسعى إليه لتدمير الريبورتاج، حتى وإن بدا ذاتيا. الغريب أنه يمارس عليه بعض تدمير، من خلال إصرار فاعل لإنتاج المهمش واليومي والاشتباك مع ما ينتج عنهما من تفاصيل، ولكنها لا تحلق فيما هو أبعد من كتابة يجوز توصيفها باليقين الحداثي المكتمل.
 
ما بقاش صاحبي
واللي ف يوم اتعارك مع تالتة/ اتناشر
علشان واحد ضربه بكف غشيم
دلوقتي؛ هو بيصطادني بنسر ودبورة
 
إذن يبقى السؤال.. ما هي المشكلة؟
ليست من الصعوبة بمكان الإجابة، ولاسيما إذا كانت من ضفاف شاعر مطبوع ولاشك، لذا ربما فقط بدت محاولاتي في إطار تحليل أتمناه صائبا.
في البدء أقول: إن "صادق أمين" مُلزم لأن يخون كي يحقق ما يتمناه في منحى القصيدة الأجد على تعبيره، لأن الوفاء العارم لمفردات بعينها؛ بات أمراً مثقلاً لطموحاته في التطوير على ضوء ما يرجوه.
 
إن الكتابة التي عنونتها في لحظة سابقة بأنها "أزمة قرار" باتت أكبر من الظواهر النصية التي تحمل بذور الانفلات، بل كانت تأخذ ببذور هذا المعنى كي تتوحد مع عبثية العالم و اللاجدوى في طواف سريع، ومن ثم تعود لممارسة الإخلاص من جديد لهذه الأزمة؛ بل وجعلت من المتون الشعرية التي تبدو أغرب من غيرها في إطار النص الواحد نتوءا أو ستارة لم تستطع بحسم إخفاء الأزمة أو ظلالها.
 
إن كتابة الأزمة لا تعني إصرارا على تحري الصدق متى كانت مسوغات الأزمة في رتبة اليقين، ولكنها تعني معايير ثقة كاملة في مفرداتها، أدى به لعارض استسلام لها كحقائق مرجعية تقف خلف فعل الكتابة، وخطورة هذا التصور أنها تُحدث تشابها بين العالم الدلالي الذي أنتجته الشاعرية وعوالم دوائر التلقي التي تتماس مع النص، يبقى فقط مكمن الاختلاف في إشكالية التفاصيل التي أنتجها للتخديم على أزمة الذات، التي هي أزمة المجموع في بعض منها أو كلها أحيانا، وكذلك

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

البدلة الجبس 3/6

كتبها شوكت عبد العزيز ، في 3 نوفمبر 2011 الساعة: 08:57 ص

 

إن يقين التجريب قد يعني معادلا موضوعيا للتناول الحداثي في مشروع العامية، على اعتبار النقلات الزمنية التي مرَّ بها المنجز بوجه عام، تأسيسا على مرحلة الزجل، انتقالا للعامية التي مهَّد لها الرواد، ومن ثم النثر، وصولا للحداثة.
بدا الطرح الحداثي وكأنه انفلات مقصود من تراث العامية التي يجوز توصيفها كلاسيكية، على مستويات العرض والتقنية، والفاعلية الشعرية نفسها، بل راح الشعراء فيما يشبه الرغبة في إقامة قطيعة حادة مع موروث العامية في كل مراحله، لكن هل يجوز الاعتقاد أن الحداثة كمرحلة تبدو كملمح مهم للتجريب في إطار مشروع العامية؟
في الحقيقة يجب أن نوضح مفهوم التجريب، والذي يتأسس مصطلحه على معنى التجربة نفسها، لأننا لو عرفنا دلالاته، لأدركنا ماهية الإجابة ولاشك.
 
عند التصدي لأي بحث نظري نقر أن هناك ثمة ظاهرة تستحق الرصد والدرس، ولأنها مُلحة وضاغطة، وأحيانا مُربكة ، نصوغ مجموعة افتراضات من شأنها كشف هذا الغموض الذي تبدى منها وحولها، لكن هذه الفروض تظل مجرد عبث صبياني ما لم يتم التحقق منها تجريبيا؛ كي نصل لقانون يحكم هذه الظواهر، على ضوء هذا المعنى يصبح التجريب في العامية خاضعا بدوره لمرحلتين سبقتاه، إي إننا لاحظنا الظاهرة وقمنا بصياغة فرضياتنا، ومن ثم نريد التحقق منها. لذا من الضروري أن نحدد أزمة شاعر العامية في صوب معنيين مُهمين: العامية كظاهرة، وفرضية الحل. ومن هذا المنطلق ربما احتجنا لأن نفهم ما هي الجوانب التحريضية التي جعلت من العامية ظاهرة مُلتبسة، دفعت بالشاعر لأن يفترض ما يضيء المُعتم منها.
 
لا اعتقد بأي حال أن العامية تصلح لأن تكون ظاهرة مُلتبسة في ذاتها، بل أن هناك قوة قاهرة أو تكاد قد حكمت عليها أن تتحرى البساطة، والوضوح، وفي ذات الوقت تؤسس لنفسها مساحة من الحميمية، لكن المُربك والمُلتبس في الأمر وقوعها في دائرة الثبات النسبي الذي ينعكس بدوره لآليات تحريضية للشاعر المهموم أصلا بالتطوير. إذن، فالعامية في ذاتها من فرط هذا الزخم الموروث تواجه أزمة تحوّلها لطرح إشكالي، يجعلها تغادر هذا الجوار القدري لكل مكونات البساطة والثبات. هنا وفي الحالة هذه لا تتبلور الفرضيات المعنية بحل العامية كظاهرة، ولكن تتجه بشكل كبير لإحداث شكل من الكتابة يبدو مبدئيا كتطوير أكبر منه كتجريب. لكن هذا لا يغرينا بأي حال أن نقر التطوير وننفي التجريب، أو نعتقد –جدلا- أن الأول يعوض الثاني، رغم أن التجريب في ذاته قد يكون مؤسسا على رغبة في التطوير.
 
بطبيعة الحال، وكي تكون الصورة واضحة لمن يتابع هذا الحديث، علينا أن نحدد الفرق بين ضرب المنظومة، وفكرة تطويرها، وهنا أعني الممارسة العامية تحديدا، لأن مقولة النسق الاعتيادي لشكل الكتابة كثابت نظري يواجه الرغبتين بشكل أو بآخر، إما على مستوى ثورة شاملة، أو استحداث طرائق جديدة تحمل سمت التطوير لشعر يعاني من النمطية.
 
ربما لا أريد كالعادة إنتاج حكم قيمة من شأنه توريطي في دفوع معينة قد تصادف بعضا من الجدل الذي لن يفيد العامية على أي صعيد، لكن من الصدق أن نعترف بأن إشكالية التطوير حتى وإن ذهبت بنفسها لمرافئ التجريب، فيقينا لم تحدث بالشكل الذي يثبت أن ما حدث كان تطويرا شاملا. فإشكالية كتابة نص مختلف ليست بالشيء البسيط الذي يغري البعض للاعتقاد أن تدمير منظومة اللغة، أو الخيال، أو تقنيات الكتابة بوجه عام كانت نوعا من التطوير، أو إنها تستحق نعتها بالتجريب. لأن ما حدث في نظري كان محاولة لاستنساخ عامية من حظيرة ليست عامية بالضرورة، فانتقال العامية المُفعلة والمُموْسقة إلى حظيرة النثر على سبيل المثال، كان انتقالا جدليا حدث في الفصحى قبل أن يصل لمرافئ العامية، كنقلة بدت نوعية لمشروع شعري مكث طويلا في حظيرة الوزن الخليلي. الغريب في الأمر أن مشروع نثر العامية لم يأت على الوزن وكفي، بل تورط ربما بقصدية غريبة لأن يأتي على الشعر نفسه، وعلى ضوء الكثير من متابعات الشعراء لمشروع النثر الفصيح، ولاسيما المترجم، والذي بدا لهم وكأنه مجرد موار ذات تتحدث في إطار تصورات ذهنية خالصة، ومنطق الفاعلية الشعرية نفسه قد بات مُستبعدا أو مؤجلا.
 
ربما يعتقد البعض أن أطروحة النثر كانت انعتاقا من الوزن الموسوم به المشروع التقليدي للعامية، والشعر عموما، لكن هذا التصور لو انصرف للتخلي عن الوزن وكفى، لأدركنا سلامة الطوية، لكن ما حدث واقعيا إننا لم نجرب، ولكننا استعرنا المحاولة، وأعدنا إنتاجها في مشروع العامية، والفصحى بدورها استقتها من مشاريع النثر القادمة من محيط الترجمات التي تمت لشعراء من خارج الضاد، والذي يؤيد بدوره أن الشعر في لغته الأصلية كان خاضعا بدوره لأوزان تخصه قبل أن ينثر نفسه.
 
من هذا المعنى نفهم أن الجديد في ثقافتنا العربية هو مصطلح قصيدة نثر، وليس النثر في حد ذاته. لذا يمكن الربط هنا بأن ولوج النثر للعامية المُفعلة كان ضربا من تطوير يأخذ سمت المعالجة الجديدة، وليس تجريبا بالضرورة. لكن الأزمة في قمة تجلياتها كانت في هذا السؤال. أين الشعر بعيدا عن هذه المعالجات؟ أو لنطرح السؤال بأسلوب مختلف.. هل يمكن نثر العامية؟
 
أزعم أن الأوان قد حان بالفعل ونحن نؤسس النص أن نفكر فيما هو أبعد منه كإنتاجية شعرية، ولاسيما في حظيرة الحداثة؛ بمعنى الحيلولة دون وقوف النص عند حدود المُشافهة، كي نعرف، أو نراهن على شكل المنتج النصي إذا ما صار مطبوعا. لأن في هذا المعنى عند الشاعر المُجيد ستتحدد قيمة الموْسقة، بل قد تبدو إلى حد كبير في إطار التناول الإشكالي الذي يسمح بانتخاب أفكار خاصة بالنصوص، تستدعي معها الإطار الموسيقي الذي ستتحرك على خلفيته البنيات الشعرية التي تستطيع إنجاز النص إجمالا، بل وربما الأهم من هذا؛ احتمالية أن تقف الموسيقا نفسها على مسافة واحدة ومحايدة من مسألة الوزن التقليدي، والعنصر الفكري المُراد طرحه من خلال النص؛ كي لا يتم اغتياله لحساب الإيقاع. لذا لا اعتقد بأي حال أن الشاعر العادي قد يهتم بهذا الفرق، أو ما كنت اعبر عنه بقصيدة الجمهور(المشافهة) وقصيدة الديوان(القراءة).
بطبيعة الحال لا أريد لنصوص بعينها أن تكون حاضرة للناس في إطار ندوة أو ملتقى أو غيره، ونصوص أخرى تُكتب حصريا لديوان، وإنما أعني تلمس فاعلية النص حتى وإن تجرد من عناصر الموْسقة، كي يؤثر سواء في حظيرة المشافهة أو القراءة بنفس الفاعلية.
 
الحقيقة التي ربما أذهب فيها إلى ما ذهب له "كولردج" أن النثر ضد الوزن وليس ضدا للشعر، وهذا المعنى لو كان مُسلمة تحرك من خلالها وعي شاعر العامية، لأدرك أن تسمية النص المنثور شعر مسألة تغري بإعادة النظر، ولاسيما أن تغييب الوزن ما كان ينبغي لأن يشمل الحد الأدنى من الكتابة الشعرية. لذا يبقى السؤال ماذا حدث للعامية الحداثية؟
 
ربما حاول الشاعر "أحمد الخدرجي" أن يمنح القصيدة الريبورتاج إشكالية جديدة كونه يتحرى حدا مقبولا من الأطر الحداثية في نصوصه، ورغم حرصه البالغ لأن ينثر، وجدنا أن السمت الغالب كان في رأيي تحطيم النص الموزون بالفطرة لحساب هذه الرغبة للنثر، على ضو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

البدلة الجبس2/6

كتبها شوكت عبد العزيز ، في 1 نوفمبر 2011 الساعة: 07:07 ص

 

إن القول بانحسار العامية داخل إطار النص التسجيلي أو الريبورتاج، لا يعني أن ما يُكتب الآن في مجمله يتم من داخل النموذج، وخاضع بدوره لضرورات المعيار؛ سواء من الزجل التقليدي، أو من العامية في طور الثبات النسبي للتقنيات المعمول بها، لكن جدير بنا أن نشير إلى ما هو أبعد من القول بإشكالية التسجيل؛ لأن المسافة المقطوعة بين التسجيل ووجهة النظر هي في نظري وسيلة من وسائل التفرقة بين الزجل وشعر العامية، بل أن خضوع مسألة النص الراصد لمقولة الانتخاب في مستوى الأفكار التي يطرحها، وفي إطار عامية تمتلك الحد الأدنى من الفاعلية الشعرية؛ هي محاولة لإنتاج نص منفلت من عيار الزجل، لكنه على كل حال غادر الزجل أو يكاد، ولكنه شديد التوجس من اختيار نقلة جديدة للعامية خارج إطار ذاتها.
 
ما بين الانتقاد والحلم بالتغيير ربما بدا مشهد العامية الآن، ولاسيما أن شعر الثورة وما بعدها تقريبا ريبورتاجيا بشكل ضاغط، وبنصوص تأخذ آليات التغطية للأحداث الجارية كهدف، الغريب في الأمر أن هاجس الانفلات من موروث الزجل التقليدي الذي كان يؤسس هذه الوظيفة باقتدار، بات مؤجلا لحساب هذا المزاج من الكتابة، بل وقد أذهب لمنتهى القلق إذا حسبت أن ما يحدث في المشهد المجتمعي من موار عارم، قد نفخ من روحه في إعادة إنتاج مشروع الزجل رغم اعترافنا بوجود ما يشبه الردَّة أصلا حتى قبل أن تتغير الحقيقة الاجتماعية بفعل الثورة.
 
ربما سخونة الأحداث وتأثيرها المباشر على قريحة الشعراء الذين ما انفصلوا عن واقعهم وتداعياته، لكن الوقت يمضي متسارعا، ولم نقرأ النص الذي يؤصل أو يُنظر أو يكاد ما حدث فعلا، بعيدا عن آليات التغطية والرصد الفاعل لحركة الشارع. هنا من حق المهمومين بالعامية أن يبحثوا عن القصيدة الحلم، المتوثبة لترسيم الواقع في صورة مختلفة، حتى وإن بدت فانتازيا لا تؤيدها معطيات الواقع نفسه، أو تأصيل ما حدث بنصوص شبه تحليلية للمرحلة، ومن زاوية رؤية جديدة نستلهم منها سلبياتها بتصورات متناهية في البكارة، وتجسد أماني الشاعر لما يتمناه مستقبلا.
ربما يدعو هذا التوجه مني البعض لنفي مسئولية الشاعر لأن يقدم هذه التصورات، كونه ليس منظرا اجتماعيا بأي حال، لكن إذا لم يجد ما يرصده ويقوم بتغطيته شعرا حسبما نرى في كثير من نصوص مشروع العامية، فأين يكمن الاستفزاز التحريض؟
 
إنني لا أعرف بشكل محدد ماذا حدث لمشروع العامية على ضوء الراهن من تفاصيل المشهد، رغم هذا الزخم الذي يجوز اعتباره زحاما يجعل من رصد المحاولات الشعرية التي تمتلك خصوصية معينة من الصعوبة بمكان.
مشاريع توقفت، ومحاولات للبحث عن أرض جديدة وإن كانت لا تخلو من خوف غير مبرر، ردَّة مشروع النثر للعامية التفعيلية، وربما يتجاوزها أحيانا لزجل تقليدي إلى درجة، كتابات مستمرة بنفس الإنتاجية الشعرية ومعطياتها في ثبات لا يمكن تفسيره على ضوء الرغبة في الانعتاق. مشاريع نثرية معظمها يمارس نوعا من الخرف الشعري اللامنتمي لأي مرجعية فنية، ولاسيما الشعر نفسه.
 
إننا لا نضع إطارا للقصيدة الريبورتاج، وإن كان كل ما كُتب في العامية في زعمي من وحي هذا المزاج، لأننا إذا أخضعنا المشروع بكامله لظرف الزمان المؤسس على اليوم وأمس وغدا، لسوف نجد أن العامية كتبت عن الأمس واليوم، وربما لم تسع لأن تكتب عن الغد؛ أو بصورة أخرى القصيدة الحلم أو النبوءة، والتي إن لم تكن لإنجاز هذا الهدف بشكل محدد، فعلى أقل تقدير كتابة عامية الغد في محاولة استشرافية للتطوير.
 
منذ فترة دعوت شعراء العامية لإعادة هيكلة الماضي إذا جاز التعبير، لأن الكتابة العامية قد صارت بصورة أو بأخرى تنزع للماضي؛ لا للدفء المتحقق في تفاصيله، ولكن بحيلة قد تبدو لاواعية للتنصل من النص الذي يوجه كل فاعليته للآن، بقصد تحليله وشرحه ونقده، في جدلية تتشابه مع مهمة الزجال العتيد بشكل أو بآخر، وكأن الولوج للماضي يحمل في دواخله إصرارا على إنتاج عامية منفلتة من تقرير الحالة الذي ينتجه الزجل بكل يسر. لكن هذا لم يمنع الإطار العام للنص من التورط في الريبورتاج، ولاسيما أن شاعر العامية في رأيي، كاتب قصة قصيرة على درجة من التهور، لأن النص ممارسة اختزالية مكثفة، وفي ذات الوقت ينطلق أفقيا لالتقاط الحالة المراد التعبير عنها شعرا، لذا فالتورط في كتابة ماضوية يجب أن ينطلق لأبعد من التقرير، إذا أخذنا بعين الاعتبار إمكانية السارد/ الشاعر لأن يًُعلق على متون شعرية بعينها في إطار فاعلية إنتاجية لنص يحاول أن يغادر مفهوم التقرير ليدخل إلى حظيرة وجهة النظر، وليس مجرد عرض اجتراري للماضي المراد الحديث عنه.
 
الشعر رؤية، وأزعم أن هذا اللون من النصوص التي تركن للماضي، هي التي تستطيع إنتاج العامية الساطعة في صورة أكبر من مثيلتها؛ إذا كان النص موجها للآن، وخصوصا مع توفر آليات انفعال معين يفجَّر فعل الكتابة. لأن ماضي الشاعر أو ماضي الظاهرة المُراد طرحها سيخضع بدوره لحكم قيمة يخص الشاعر نفسه، مما يسمح له لأن ينتج أبعادا أخرى لدلالات هذا الماضي تنفي عن النص ولو لحدود معينة سمت الاجترار.
 
من أبرز المعاني التي يُصدرها لقارئه ديوان "نور وعتمة" للشاعرة سهير متولي هذا المعنى، مع توفر الإنسانية المفرطة التي تكمن خلف نصوصه، ولاسيما النصوص التي تستدعي ماضيها بتصورات إشكالية، قدر ما فيها من متعة، ولكنها شجية إلى درجة متطرفة.
لا تنتحل أي سمت قد يبدو إشكاليا أو يكاد، مركزية البساطة هي المنطلق الذي تتأسس على ضوءه القصيدة، لا تحايل بلغة نخبوية، ولا تورط بأي حال في ابتذال لا يليق بها، ولا بالعامية التي تتحراها غالبا.
في هذا الديوان من الصعب تحييد الذات الشاعرة في جل مفاصله، بل أن حضور الشاعرة في نصوصه، بدا وكأنه رغبة أصيلة سيطرت على أجواء كتابته، بالشكل الذي يوحي بأمرين على درجة كبيرة من الأهمية..
 
الأول: حلول قضية الشعر في قضية الشاعرة نفسها، بالمعنى الذي من شأنه إرهاق قارئ العامية المتمرس بهذا الزخم الإنساني. ولاسيما إن إيماني بالعامية كإفراز مجتمعي متحقق بالكلية في كل نصوص الديوان، رغم التمركز في محيط الذات بشكل لا يحتاج الدليل.
 
{ حالة خصام}
زمن البراءة بيدي ضهره للنداء
وبيشبط الخفاش ف وش الأغنيات
 وبيتنصب فخ انهزام الروح في بركة من المخاط  
 
هذه كتابة شجن واغتراب وهزيمة، لكنها رغم هذه الذاتية ، لا يمكن تغييب الحقيقة الاجتماعية منها، والتي تبلورت في زمن البراءة الذي لم يعد يستجيب للاستجداء في الحقيقة وليس لمجرد نداء، لأن الزمن إطار، لا يمكن رصده إلا من خلال حركة الإرادات الفاعلة فيه، فإن تولَ، وأصابه ع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

البدلة الجبس 1/6

كتبها شوكت عبد العزيز ، في 30 أكتوبر 2011 الساعة: 01:17 ص

 

لم أكن أتصور عندما كتبت عن خطاب العامية أن يسألني واحدٌ من المحسوبين على المشهد.. هل تعتقد أن للعامية خطابا؟
لا أدري يقينا مشروعية هذا السؤال، وإن كنت كتبت- وقتها-  وأنا مسلح بالأمل لأن تنتج العامية خطابها الجديد، تنتج ولا تخترع، لأن للعامية خطابها، ولو كره الفصحاء.
 
في حقيقة الأمر، وليست عوارض نرجسية مني، فالعامية منذ شرعت في تأسيس (شوكت) صارت بالنسبة لي نوعا من التحدي، و لا أعرف أين أنا من الصواب إذا قلت: إن العامية ربما لم تُقرأ للآن، وهنا أعني التناول النقدي والبحثي، ورغم يقيني أن هذه المدونة تصادف شعراء عامية، لكن الكل يبحث عن مكتوب يخصه، وليست العامية الإطار الذي تُصب فيه مواجيد شعرائها. ولاسيما أن الأمل الذي تسلل لنفسي في لحظة ما أن تتماهى قضية الشاعر مع قضية الشعر ذاتها في إطار المشروع إجمالا؛ قد بات أملا لا تنقصه السذاجة، في واقع أدبي ليس مشغولا بأن يسير أفراده متوازيين من أجل الإنجاز، بقدر ما يريدون السير فوق جثث بعضهم البعض، رغم أن المناخ كله يعاني جدبا، وثباتا لا يسيء للعامية بقدر ما يسيء للشعراء أنفسهم.
 
لست من دعاة التشاؤم، ولا ينبغي لي المُصادرة على إبداعات تتحرى الاختلاف، وفي ذات الوقت تنشد خطابا للعامية يبدو منفلتا من حظيرة الرواد، سواء من العامية البعيدة زمنيا، أو التي تبدو قريبة العهد، لكن هذه الرغبات على الراجح تصطدم بمجموعة أشياء يجوز توصيفها طواغيت مُعوَقة.
 حاولت جهدي حصرها حسبما فهمت منذ وضعت المسألة تحت طائلة ذائقتي في المقام الأول، ورغبتي للفهم في المقام الثاني. وفي الحقيقة وصلت لنتائج كارثية.
 
وجدت أن قضية التجريب أهم ما يمكن الوقوف عليه في أزمة العامية إذا جاز لنا توصيفها أزمة، بل إن محاولة تحطيم "تابوه" معين في إطار مشروع العامية، بدا كموضة تنفي في حسم يقين التجريب من الأساس، لأن قضية الثورة على المألوف والنمطي في فعل الكتابة ليس مرتبطا بحسابات نسقية أو أطر سابقة، ربما هناك من يذهب إلى نفي حدوث التأسيس الجديد بلا ماض سبقه. وهذا حق، لكن شريطة أن يتم تأصيل إرهاصة العامية المُراد تجاوزها، وليس التجاوز من أجل التجاوز، لذا فمن الضروري التمييز بين التجريب الواع، والتجريب الذي يتساوى مع مفهوم الخرف الشعري الذي لا يتسق مع ما يمكن اعتباره ثوابت تخص القصيدة العامية، ولو بشكل نسبي على أقل تقدير، لذا فحتى مسألة التجريب ذاتها في إطار مشروع العامية محكومة بضوابط أكبر من مخافة التجريب من الأساس.
 
كل ثوابت الطرح العامي التي تبدو كمسلمات، في ثوب التجريب، ستتحول لإشكاليات مُربكة، فكيف لقاموس العامية الثري والبسيط من جهة، والمؤسس على الترادف من جهة أخرى أن ينتج نصوصا يتحقق فيها معنى التجريب المؤسس على الجدة والغرابة؟
من يمتلك يقينا جرأة تخليق بنيات جديدة لهذه اللغة، بالشكل الذي يعكس موار الذات، ويؤكد تشظيها لما هو أبعد من تشظي مفردات الواقع التي أعتني بها النص؟
إن العامية تغامر بحميميتها إذا تخلت عن سمت البساطة الذي يميزها كلغة حياة، بساطة تستطيع أن تحصن نفسها من الابتذال كي لا يعتقد البعض هنا بتماهي المعنيين.  لكن من يمتلك صلاحيات إنتاج نص عامي غرائبي ومُربك دون أن يتخلى عن هوامش البساطة؛ كي يحافظ على هذه العلاقة بين النص وقارئه؟
إلى أي مدى يمكن للمجاز أن يتأرجح بين آليات توضيح الفكرة في العامية التقليدية، والتعبير الفاعل عن توتر الذات الشاعرة في التناول الحداثي دون الولوج في إيهام معجز؟
    
إن القصيدة العامية والحقيقة الاجتماعية ما كانا لينفصلا حتى في إطار التجارب الشعرية المتطرفة في ذاتيتها، وإذا أقررنا –جدلا- إن إرهاصات قصيدة النثر المنطوية على تصورات ذهنية مُشعرة قد نجحت أو تكاد في الانفلات من متن هذه الحقيقة الاجتماعية، فالضامن على وجود هذه الحقيقة هو أزمة الذات الشاعرة في الأساس، بمعنى أن حساب القيمة للنص كتجسيد لحالة انفلات من المجتمع وتداعياته، لا تعني غيابه بالكلية، حتى وإن أيدت هذا التوجه ظواهر نصية لم تشر إليه من قريب أو بعيد، ولكن يمكن الاعتقاد أن المسودة النفسية أو العنصر الوجداني الذي أنتج النص قد تعرض بأي نسبة لتدخلات هذا المجتمع حال إنتاجه.
 
ربما إذا صح هذا التصور، لكان لزاما أن نتورط في إعادة صياغة مفهوم التجريب نفسه، لأن معنى القداسة المتضمن للحقيقة الاجتماعية داخل النص العامي وكذلك ثوابت الطرح التقليدية قد تغري بالقول أن التجريب نفسه محض عبث، أو أن نذهب لما هو أبعد ونؤمن أن قصيدة النثر هي في حد ذاتها نوع من التجريب.
في حقيقة الأمر أن الشعر كأي فن، مشغول إلى حد بعيد برصد الظواهر الشاذة، والأنماط الغريبة؛ سواء من البشر، أو من طرائق التفكير، وفاعلية أي فن ترتكز بشكل كبير، ولاسيما الشعر في تصديره لعنصر الإدهاش، ولكي يتحقق هذا المعنى يتم تجاوز العادي، والمكرر، أو في حالات أخرى تتميز بالشاعرية الفارهة، يحدث إنتاج العادي في صورة غير عادية.
 
بطبيعة الحال بات من الصعب أن نلتمس من كم الزحام الحادث في المشهد الآن لقاء الشاعر الذي يدرك هذا المعنى، لأن كل نص من الضروري أن يمتلك معايير إنتاجية، لا تهتم فقط بتقديم الأفكار في صورة مُشعرة، بل عليها أن تنجز دهشتها بنفس الإصرار. بل أن تحدي الشاعر الحقيقي في رأيي يكمن في هذا الإنجاز. لذا فإن يقين التجريب لا يتحرك بقصدية التجاوز في إطار التشكيل المضموني للنص وآليات عرضه، كي ينجز دهشته، ولكن إعادة تشكيل الحقيقة الاجتماعية التي باتت كجزء أصيل في متن النص العامي بوجه عام. وهذا واقعيا تحد كبير يواجه الشاعر الذي يريد الانفلات، لأن المجتمع في إطار مشروع العامية قد صار-أحيانا-  كالتاريخ، الاثنان قادران على إعادة نفسيهما بنفس الآلية تقريبا، تتبدل الشخوص، والأزمة ثابتة، وكل ما يحدث من قريحة الشعراء هو تلمس زاوية جديدة لرؤية الثابت، وليس إعادة خلقه وتشكيله.
 
أزعم أن معدلات الرهان على دوائر التلقي في مشروع الفصحى قد تبدو إشكالية، بل إن نخبويتها إذا جاز الوصف ربما تدفع بها لتجاوز هذا المعنى، لكن الأمر في العامية جدا مختلف، بل أن حضور الآخر في القصيدة العامية هدف مطلوب لذاته، ومعيار لنجاحها، بل إن الآخر معني ب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نقد ثقافة الشرخ 8/8

كتبها شوكت عبد العزيز ، في 28 أكتوبر 2011 الساعة: 04:40 ص

 

مجددا إن صحت أحاديثي فمن الله، وإن لم تصح، فاضربوا بي وبأحاديثي عرض الحائط، وإن كان لي شيطاني؛ فلتحسبوه هوسا لرجل يائس.
أزعم أن الانفعال والحماس والتسرع، وغياب فعل التأصيل هو الذي أدى إلى نشوء هذه التوترات بين الأجندات الفكرية المختلفة، فلستُ أدري يقينا لماذا الوفد يمثل الليبراليين، وما الذي دفع بالدكتور الغزالي حرب- مثلا- لأن ينتحل الليبرالية، رغم يقيني بعضويته السابقة للحزب الوطني ولجنة سياساته؟ ولِم للآن لا يوجد من يؤصل مجددا لتجربة اليسار بتخريجات جديدة، تتجاوز ما حدث لها من سقوط في حظيرة مبتدعيها، ولماذا انفجر سؤال الهوية والشريعة في مجتمع أصبح الحديث فيه بهذه الطريقة كمن يُعرف الماء بالماء؟
 
قرأت لنجيب محفوظ نصوصا مهمة، لا لكونها إنتاجا متميزا، لكن لأنها انطوت على مفاهيم جديرة بالنظر، تحمل معنى الرصد الفاعل والتحليل المنضبط، وكذلك النبوءة التي تخيلت، أو سعت إلى ترسيم قادم المناخ الفكري في جزء منه.
 لا يمكن تجاوز اللص والكلاب كنص أدبي، وكفيلم سينمائي، ولقد كنتُ مشغولا بتلمس الفرق بين النص والمعالجة السينمائية، ولاسيما في فورة البدايات للمراهقة الفكرية،. وجدت أن هذا النص ليس مجرد ريبورتاج لقصة سفاح الإسكندرية "محمود أمين سليمان" بل في دواخلها وجدت شبه محاكمة للشيوعية نفسها، بل ونبوءة تنذر بالانهيار، فلو كان "سعيد مهران" هو مرموز البوليتاريا المسحوقة، ورءوف علوان هو الشيوعية في ثوبها النظري، والذي دعاه لأن يأخذ حقه من مجتمع ظالم، فلِم ارتبكت العلاقة بعد دخول الأخير في مجتمع النخبة؟
 
أزعم أن نجيب محفوظ ربما أصابه عارض خوف من عدم وصول هذا المعنى إلى ذهن القارئ، لذا أصر بضراوة على تثبيت معنى الدين كأفيون للشعوب كي تستقيم الإحالة، ولاسيما عندما دعاه شيخ الحضرة لأن يعود إلى الله؛ فعنده الملاذ والطمأنينة، رغم حرص "سعيد مهران" في هذه اللحظة لحل حاسم للأزمة الراهنة، وليس بالعودة لله الملاذ؛ لأنها عودة مؤجلة ولاشك.
 
إن قدوم النظرية بشهادة المنشأ في الحظيرة العربية دليل ساطع إننا نعيش ثقافة تخرف في الحقيقة، لأن مقولة فصل الدين عن الدولة كمعطى أول في بلدنا نوع من الافتئات على الواقع المعيش. فأي كان يمر على حذاء مقلوب يستنكف أن يظل نعله في مواجهة السماء، لذا يسرع في تعديل وضعه. ولم يعد من المجدي للآخر من خارج الطرح اليساري أن يلمس المعنى الأكثر وضوحا في الأجندة المتمثل في ارتباك علاقة اليساري بالمقدس، ومن ثم نقطة ومن أول السطر. أما عن النظرية ومستجداتها، ففاصل ونواصل على الأرجح.
 
لي مع التجربة اليسارية تاريخ طويل وحميم، أراها قد بدأت مثالية كونها ترتكز على مفهوم العدالة الاجتماعية والمساواة، وانتهت في أزمنة السيولة كمعادل موضوعي للكفر الصُراح، رغم أن مصر واقعيا لم تكن تمتلك في أوائل القرن الماضي  فراغا أيدلوجيا يبدو كبيرا كي تكون الشيوعية في المطلق هي البديل والحل الفكري المثالي.
إن هذه الأطروحة دخلت للحظيرة العربية، كما هي، بخاتم المصنع أو شهادة المنشأ كما قلت، وللصدق اتخذت في الإطار العروبي ما يمكن نعته بضدية المُقدس، ولاسيما أن الفكرة مهما بلغ رقيها - بوجه عام-  لا ترقى إلى كونها عقيدة لا يمكن الأخذ والرد عليها، لذا بدا تدين الآخر مثارا لسخرية أتباعها، وهالات العظمة والقداسة التي يسوقها الناس عن الله كفكرة، بدت كثوابت مُعطلة للمشروع، حتى بدا الله نفسه في ثوب الإشكالي الغير متفق عليه. وكأننا نتعامل مع الله من منطلق اختبار الصلاحية.
إذا صح هذا التفسير، فإننا نعترف يقينا بالعجز عن تأصيل الفكرة، وفي ذات الوقت إذا سارت في هذا الاتجاه كي تؤسس شكل علاقتها بالمُقدس، فمؤكد قد حكمت حكما استباقيا باعتناق فكرة تمتلك صلاحيات الارتباك، لأننا واقعيا لا نمتلك من الأدلة الحاسمة التي يمكن تصديرها للآخر كي تدفعه لتغييب الله أو حتى تحييده.
 
منذ فترة قلت: إن أكبر انتكاسة تعرض لها مشروع فكري على هذه الأرض كانت بالضرورة التي حدثت لليسار المصري، فبعد ثورة قامت للإطاحة بملك فاسد وإقطاع متطرف، بدا أن اليسار سيأخذ دوره، كونه الفكر الذي يستطيع أن يصالح الجماهير بعد هذه الحقب من العذابات، لكننا لم نحسن قراءة خريطة العالم وقتها، ولاسيما بعد نهايات الحرب العظمى، وما أعقبها من نكبة فلسطين، كتحد كبير للضاد في معركة وجود ومصير.
 
ربما لم يكن سهلا الانفلات من براثن الأيدولوجيا في هذه الفترة، ومؤكد قد نغفر عدم الاستسلام بالكلية لقراءة الوضع الخارجي، لكننا لا نستطيع المضي قدما في مشروع تبنت فيه مؤسسة الحكم مصطلحا يقول بعدم الانحياز، أي أن مصر في هذه اللحظة قد أعلنت عن موقفها من مسألة الأحلاف، لذا فبقاء من يدعي الشيوعية كإطار فكري أما أنه قد انفصل واعيا عن الاتجاهات العامة للدولة، أو لكونه يعتنق فكرة تعادي الغرب الرأسمالي؛ لم يكترث كثيرا بحدوث أي معنى للصدام معه من وراء إيمانه الخاص بفكرته، ولو على حساب التوجه العام للدولة.
في نهاية الخمسينات دفع اليسار الثمن باهظا في حملة اعتقالات غير مسبوقة لأنصاره، وفي ذات اللحظة بدت الأطروحة كلها في موقف الضد من السلطة؛ ولأنها حافظت على ثوابتها كما هي، بدت في موقف الضد من المجتمع الذي مازال يتعاطى من ذات الأفيون.
 
في حقيقة الأمر التجربة اليسارية تجربة شديدة القسوة في تفاصيلها، ورغم ما يكتنفها من مثالية تريد على أقل تقدير في بعدها الاقتصادي تحويل الاقتصاد لأخلاق، لكنها لا شك تحتاج لإرادة قوية من أجل تنفيذها على واقع الأرض، لذا تبدو لي على مستويات اللحظة الراهنة كالزواج العرفي، زواج محكوم عليه بالفراق، ما لم يتحول لزواج رسمي.
 
في الفترة من بدايات الستينات حتى فجيعة 5 يونيو، كان المشروع القومي الذي يمثله ناصر منفردا هو الفكرة الوحيدة التي تستحق الرصد، لكنه المشروع الذي يتسق مع تراثنا العربي القائم على الفردانية والشخصنة، ورغم سلامة الطوية لهذا المشروع الحلم، لكن مؤكد السماء لم تتعاطف مع آليات تحقيقه، بل للصدق كان شطحا مراهقا لم يقم بتأصيل المشروع من جهة، وإعادة ترسيم شكل علاقتك بالعالم من جهة أخرى، انهارت الوحدة مع سوريا، بُثت حقنة الحياة للمشروع بتشوهات الميثاق، بزوغ راديكالية مسلمة كردة فعل للجبروت الأمني وزوار الفجر، انتهت بإعدام سيد قطب، انهيار الجيش المصري في أثر 5 يونيو، في إطار أسوء هزيمة يمكن أن يصادفها جيش في تاريخه.
 
بدت مع حقبة السادات أن كل المشاريع الفكرية في سرداب، يسار مقموع وجريح. ليبرالية تعيش على ضفاف الماضي الجميل، وحاضر كان كفيلا بسحق كل الحريات تحت تأثير الحكم الشمولي البوليسي والقمعي وإن اختلفت درجته، ومشروع إسلامي مُعطل، فشل في إعادة إنتاج الإسلام المُعصرن، لكن أوجد لنفسه بعض العزاء بهزيمة يونيو التي رآها مبررة لدولة خاصمت السماء إلا قليلا.
 
عند التصدي للعبة السياسية في عالمنا العربي، ربما علينا أن ننحي النظريات جانبا، لأننا واقعيا لا نمارسها كنظام ومؤسسات، بقدر ما نمارسها كنشاط فردي، يتسق مع مفهوم الإمامة والتابعين، فلا يمكن بأي حال وضع السادات في هذه المسافة التي يمكن أن نقف عندها كمحللين لسلبيات الفترة الناصرية برمتها، أو اعتباره شريكا متضامنا في صناعتها، لذا ففتح المعتقلات، ليس عارض من فصام بشكل كلي، وبسط مساحات من الحرية ولو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نقد ثقافة الشرخ 7/8

كتبها شوكت عبد العزيز ، في 24 أكتوبر 2011 الساعة: 05:33 ص

 

في حقيقة الأمر لا أريد محاكمة الواقع، وإن كنت دائما أضعه في موضع من ينتظر منه إجابة ترضي فضولي، ومازال يحدوني الأمل أن أجد ما يضيء دياجير الآن المرتبك، ولاسيما أن السوق الذي يطرح الأيدلوجيات المختلفة، قد بات ماثلا أمامي بلا زبائن، بل أن الذباب الكثيف ربما يعوق بصري لأن أفحص الأطروحة من جديد. لذا أسأل.. لأي سبب من الممكن أن تلقي ملابسك في صندوق للنفايات، وتراها لم تعد ذات جدوى، وغير متسقة مع قانون اللحظة؟
 ليست من الصعوبة بمكان إجابة هذا السؤال، إنها الموضة التي تستطيع إنتاج هذا المعنى، تجعلنا نلقي بكل شيء في النفايات وأبعد، طالما أن صيرورة الموضة قد قررت، دون أن تمنحنا بعض فرصة لإعادة النظر فيما سنلقيه. لكن لم أكن أذهب في غياهب التصور أن نلقي أنفسنا مع ملابسنا، ونمكث عرايا من أي شيء، وتظل متعة حياتنا أن نتأمل فقط ما ألقيناه في ذاك الصندوق، ونرتدي ما لا يستر في كل الأحوال.
 
إن المحاولة والخطأ في التفكير، ومن ثم الممارسة الفعلية لما نؤمن به، تعني إلى حد بعيد أنه لا يوجد ثمة مطلق أرضي، لكن تظل المشكلة تتحد مع رغباتنا في واحد من أمرين: رومانسية البحث عن محاولة بلا خطأ، أو التمادي في إنتاج المحاولة بلا سقف.
الأولى نفذها من يقولون بالمشروع الإسلامي، والثانية تورط فيها الذين يؤسسون أيديولوجيا بشرية للنهاية، ودون الاحتكام لأي نوع من المرجعية. الأولى جعلت من الدين طرحا جامدا مخافة الاجتهاد ومن ثم الشطط، والثانية جعلت من المقدس تراثا إنسانيا. إذن يبقى السؤال. أين المشكلة؟
 
في حقيقة الأمر لا يمكن بأي حال أن تكون جدوى الدين على المحك، بل لا يوجد ثمة فائدة واحدة ستعود على منكريه، أو للذين يسعون لاستبعاده كونه تراثا. وفي ذات الوقت لا يوجد ما يدعو لأن نربط الدين بما آل إليه مصير أتباعه، مادمنا قد أقررنا بشكل أو بآخر أن ما نلمسه من سلوكيات عامة للمسلمين بأنها – غالبا- ليست من الإسلام في شيء، بل إن ما يدعونا أحيانا للتوجس من أتباع الديانات الأخرى هذه القطيعة التي حدثت بين الأتباع والمتن المقدس، وما أنطوى عليه من إشارات ومفاهيم لم تعد متحققة في يقينهم، ولا في حظيرة حياتهم.
يعتقد البعض أنه من الخطأ الفادح أن يصير الإسلام أطروحة أيدلوجية، لأن ذلك من شأنه توريط المقدس في اختبار صلاحية إذا ما قيس بالواقع المعني به وبأطروحته؛ قد يصيب وقد يخطئ، وهذا سينسحب بدوره على معايير القداسة نفسها.
 
إذا اتفقنا طواعية أنه لا يوجد فكرة بلا سقف، فإننا في هذه الحالة نواجه أزمة تأصيل للإسلام كطرح أيدلوجي، ولو بشكل مؤقت لحين الوصول لما نريده هنا. ولو ذهبنا لأعلى درجات التطرف أن كل فكرة مثالية بالضرورة، فإن فسادها- إن حدث-  نابع من سوء الممارسة، أو شطط التأويل. وإذا اعتمدنا على قاعدة البداهة الديكارتية، فإن الإسلام كدين قد تأسس على علاقة شبه درامية إذا جاز التعبير مكمنها الله الخالق، والإنسان المُستخلف في هذه الأرض لوقت معلوم، ويتحرك في معطيات الخلافة على ضوء منهج يصون حركته في الظرفية التي وُضع فيها كي تستقيم حياته.
 
أريد أن أقف –مؤقتا- مع الذين يريدون إقصاء فكرة المنهج من المسألة برمتها. أي أن الإنسان عليه أن يتدبر أمره، ويدير رحلته في عمارة هذا الكوكب وفق ما يراه. من هنا، واستنادا لسمت المثالية إذا ما ربطناه بالأفكار الضابطة لحركتنا، فإن أدوات الضبط المعياري لهذه الأفكار، أفكار أخرى بالضرورة {مادمنا قد قمنا بتنحية المقدس} وفي تسلسل يعيد تصويب ما ننتهجه منها في إطار وعينا بضرورة وجود منظومة الأفكار وتفاعلتها، وعلى الدرجة نفسها استلهام الضبط من بعضها.
على ضوء هذا التصور مؤكد سنصل لواحدة من نتيجتين: سيولة لانهائية للأفكار، تتحرك في إطار جدلي مربك، أو ولأنها منتج بشري لن نصادف وحسب إشكالية نقصانها وعدم أحاطتها، ولكننا سنصادف أزمة شخصنة تتلبس مؤسسيها، وتتخذ من نفسها في يقينهم معنى المرجعية الضامنة على مشروعيتها، وعلى الدرجة نفسها قد تتخذ خطوطا عريضة تحدد للمريدين والأتباع آليات تفسيرها وفهمها على ضوء محدداتها النظرية.
 
إذا أقررنا بهذا، فإن كل فكرة ستتحرك وفق بُعد نظري تأسيسي، وآخر اجتماعي ينعكس عليه مدى فاعليتها، فصناعة نظرية ليست ترفا، ولكنها إعادة ترسيم للمجتمع المعني بها، وفي كل مناحيه، وبالصورة التي تتطلب منا ضبط فعل التنظير ذاته كي لا يتشرذم المجتمع حال خضوعه للعديد من التأويلات والتخريجات المُفسرة لمتن النظرية، والتي قد تأتي بعيدة عن الهدف من صياغتها.
لكن هذا التصور رغم كل شيء قد يبدو مثاليا إلى درجة، لكن إن أخضعناه للتحليل، لوجدنا الأمر يحتاج منا إلى ما يمكن اعتباره تأسيسا عكسيا لعلاقات النظريات والأفكار معا، بمعنى أننا لو كنا نثق في هبوط النظريات على الناس، فلا أقل من عدم التورط لأن نصادر على يقينهم في شكل تعاطيهم مع الأفكار المطروحة مجتمعيا، أو اختبار صلاحيتها وموائمتها في جدل صاعد لمحاكمتها. لأن لو حدث هذا واقعيا لمنحنا الأفكار حالة من القداسة، تراهن على كونها ثابتة، أو ربما تجلس بعيدة عن إمكانية نقدها. وهذه مهمة لا يجب أن يضطلع بها صانع النظرية وحسب، بل المجتمع كله.
لكن ما يحدث واقعيا إننا نحاكم الأفكار، بل ونعتمد في هذا على كونها بشرية وليست مُقدسة، وننتهي لصياغة أخرى، إما في طرح تصحيحي، أو في إطار طرح بديل.
 
في حقيقة الأمر إن هذا التصور يحمل غواية من نوع خاص ، يمكن تفسيره حالة انفلات من المقدس على اعتباره غير قابل للنقد أو التغيير أو التعديل، والذين يريدون الاحتكام للأيدولوجيا البشرية يتحركون في حظيرتها على اتجاهين: أنها ليست مقدسة، وكذلك يمكن تغييرها، ولو ذهبنا لما هو أبعد لكان هذا الميل في طياته يحمل معنى الرغبة في عدم ثبات المرجعيات كي تستمر الأفكار في سيولتها، وتتحرك في جدليات سرمدية، دون الوقوف عند مرجعية واحدة تحكم حركة العالم، وتحول دون أن تتشرذم البشر تحت وطأة الاختلاف النظري، أو التفسيري للنظرية الواحدة. لكن إذا كان الهدف من ذلك الاعتقاد أن المقدس نفسه غير ملائم أو متسق مع حركة التطور التي تعيشها المجتمعات فتلك قضية أخرى، ولاسيما أن تصور ثمة صراع بين أيدلوجيا صنعها الإنسان، وأيدلوجيا صنعها الله، تصور لا يخلو من سذاجة، إلا إذا كان هناك من يعتقد أن الله لم يكن مشغولا بصناعة أيدلوجيا أصلا.
إن الصانع والمصنوع وكُتيب الصيانة ثالوث واضح، لذا فمن البدهي أن يكون الله قد وضع هذا الكتيب بالفعل، لكن ولأن البون شاسع بين منطق الآلة، وتعقيدات الإنسان كتركيب سيكو/فسيولوجي ربما أضاف لهذا الكُتيب أطر الصيانة، ومستوجبات الفاعلية، بمعنى إقامة الحد الفاصل بين سوء الاستخدام، والأداء النوعي وتطوره، لكن بيد أن هذا التطور ليس مؤسسا على فراغ، إنما متسق مع الأطر الأساسية التي أنبنى عليها هذا المخلوق. لأن لو جاء التطوير على هذا النحو الغير المتسق مع هذه الأطر، فنحن بصدد مسخ أو تشويه، أو تغيير يسيء للمتن والهامش معا.
 
الغريب؛ فينا من يرى أن هناك أيدلوجيا إلهية ضابطة تتجه بشكل كبير لحركة الإنسان ككائن عابد، وليس ككائن يعيش، بالمعنى الذي يُحدث انفصالا بين مفهوم العبادة، والتأسيس العملي الدنيوي، وهذا المعنى يقينا قد يذهب بمفهوم الشريعة إلى إنجاز هدف لا أراه من الدين في شيء، وهو تأسيس أمة من الدراويش، وليس تأسيس مشروع أممي نهضوي بامتياز.
 
سيكون من نافلة القول المرور مجددا على مفهوم الفراغ الأيدلوجي الذي أتسق مع معنى الدين وهامشه الاجتماعي، على اعتبار أن الدين لم يُفعل، سواء على هامش اليهودية أو المسيحية، أو للدقة ظلت المتون المقدسة أدوات لضبط فعل العبادة، وليست للإدارة. 
إذن، لا يمكن بأي حال على ضوء هذا التصور الوثوق بوجود حضارة دينية، أو مؤسسة على معنى ديني، لذا فمع تطور شكل الحياة يمكن النظر للأمر كونه وقوعا للإنسان تحت ضغط نوعين من الإلحاح: إلحاح العبادة وإلحاح التعمير الأرضي، واحد يضبط العلاقة مع السماء، والآخر يضبط العلاقة مع الأرض. لكن ما هي الضمانة ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

فاصل وجع

كتبها شوكت عبد العزيز ، في 21 أكتوبر 2011 الساعة: 03:09 ص

 

في حقيقة الأمر، لي يومان أتضور ألما ومرضا، توقفت فيهما عن كل شيء إلا التنفس، تناولت أقراصا، وشربت عقاقير كثيرة ما كان لها أن تستقر في المعدة، دون سبب واضح.
ولأول مرّة أرى قيمة ملموسة لفكرة أن تكون أبا لأبن يستطيع أن يهبط سلالم البيت ويستدعي لك طبيبا، ولاسيما إنني رجل مفعم بالخجل، لم أستطع الاتصال بأي كان كي يفعل، وفي ذات الوقت تخلى عني جاري العتيد الذي نسى إنني قد تركت له خبرا لدى أسرته إني في حاجة لأن يطعنني بحقنة تمكنني من النوم وليس العلاج.
 
على كل حال أنا في هذه اللحظات ربما في حال أفضل مما كان أمس أو أول أمس. والسبب أني أدركت أن أمي بالفعل قد ماتت وهى في تمام الرضا،  فلقد خرجت من شرفة البيت مقوس الظهر، أنظر للشارع وكأني انتظر القدر، وكان عطوفا كالعادة، وجدت شابا كان أخوه الأكبر زميل دراسة قديم، ولست أدري كيف تذكرت أنه كان يمتلك معملا للتحاليل في نهاية الشارع منذ فترة، فقلت مؤكد يستطيع حقني، ومن حسن الحظ أن الحقنة موجودة بلوازمها، كنت احتفظ بها في أثر نوبة مماثلة مرت بي منذ فترة ليست بالبعيدة.
 
ناديته، وصعد، كان مفزوعا من الطريقة التي فتحت له بها الباب، كنت مترنحا من الألم، أنتهى كل شيء، ومن فرط كرمه، ترك لي رقم هاتفه في ورقة تحسبا لنوبة مماثلة، وضعت نفسي على السرير، ولستُ أدري هل نمت، أم فقدت الوعي.؟؟
 
ساعات لم أ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نقد ثقافة الشرخ 6/8

كتبها شوكت عبد العزيز ، في 18 أكتوبر 2011 الساعة: 04:05 ص

 

كما لا يوجد قراءة بريئة للأدب، فإن قراءة التاريخ- أحيانا-  لا تنطوي على حسن الطوية، بل رغم الاحتياط الشديد لأن يبدو هذا التاريخ كحقائق موضوعية، لكنه- مع الفارق-  مثل القصيدة العظيمة أو الأدب الخالد، دائما نصادف فيه معنى مستورا، أو مسكوتا عنه بقصدية معينة، لا تريد إلقاء الضوء على حسابات النوايا، والتوجهات المُضمرة. فالذين أحبوا الإمام علي بتطرف قد أسسوا التشيع، والذين أمعنوا في كراهيته حسبوه من صناع الفتن، وكانوا يؤسسون حالة تقليص لمعنى بات تراثا عربيا، به نصادر على معايير الكفاءة، لحساب موروث القبلية العربي المعروف.
 
إن المشروع الإسلامي كان يعاني ومازال شروخا عديدة، بل وراح في تأسيس ثنائياته الإشكالية بعيدا حتى عن هذه الثنائيات التقليدية، وفيما هو أبعد من جدلية السُنة والشيعة وغيرها من موجبات الشرخ، وتشرذم كل مذهب بدوره فيما هو أكبر من التصنيف الممكن حدوثه، ونسى عن عمد في كثير من الأحيان يقين المسئولية الذي يؤيده حقيقة أن الإسلام دين نهائي، من المفترض أن تنتهي القصة وهو الدين القائم، ويحمل على كاهل أتباعه شريعة نضالية بامتياز، تتحرك على ضوء معنى الإنقاذ، وإعادة الحياة إلى صيرورتها الطبيعية المتسقة مع متونه المقدسة الواضحة، والاجتهاد المنضبط المتسق بدوره مع عمارة الحياة.
 
تعددت المشاريع الذاهبة بالإسلام، والمتحركة بفيوضاته، وبدا الدين في أغلبها إشكاليا، رغم أن الإسلام قد جاء حتما ليقضي على أي معنى إشكالي أو يكاد، ويضع حدا لهرطقات التفكير، ومتاهات التفسير، وكذلك إقامة تصور مقبول للميتافيزيقا.
عندما يتوقف العقل وتحدث ثمة إعاقة لأن يمارس تحليلاته، أو تتحرك حسابات المصلحة ونحن نؤسس رؤيتنا للأمور، وتنهار الموضوعية لحساب عواطف مرتبكة، فنحن نتجرد طواعية من المنطق، بل من الممكن أن نتجرد ساعتها من معايير الضبط التنظيري؛ كي نؤسس تصورات خرافية تفتقر لأي منطق مقبول؛ عوضا عن تلك اللحظات التي نتجنبها دون سبب معروف لمواجهة الحقائق العارية.
 
أرهقني البحث عن الضالة، الوقت يمُر، والعمر يمضي متسارعا، ولم أجد من أثق به تحت هذه السماء غير شيطان نفسي. ولا غضاضة إذا وقف الناس مني موقف الضد، لكن هي العتبات التي رأيت أن أبدأ منها، لعلي أجد علاجا حاسما لبعض الشروخ. ومن هذه العتبة أريد لأن أعود إلى السماء مجددا، لا لشيء، لكن ليس مقبولا من أمي أن تزايد على إيماني، بل وأقولها صريحة: إن مأساتي مع العالم مكمنها أن المسلمين يسفهون عن عمد معاناة رجل عظيم، امتلك شريعة فارقة، تقتلع الأزمة من جذورها، لذا يظل السؤال القاتل حقا.. لِم نحن مأزومون بهذا الشكل المؤسف؟
 
إن الحديث عن المشروع الإسلامي كان يستوجب نظريا أن ننتحل معنى مفترضا أن هناك ثمة مشروع يهودي أو مسيحي كي تستقيم فكرة المقارنة بين المشاريع الثلاثة، كي نصل لمعنى الإضافة الذي يقدمها هذا الدين أو ذاك، وما هو المُستهدف من طموحات يسعى لتحقيقها مُستقبلا، الأمر الذي سيؤدي بدوره لبلورة منظومة القيم وحسابات الفاعلية التي يؤديها الدين في حظيرة أتباعه، ولأن اليهودية قد انسحبت من هذه المقاربات على ضوء الدين المُغلق والإله العنصري، بالمعنى المتسق مع شعب الله المختار وغيرها من التفسيرات، ولأن المسيحية لم تقدم سوى تخريجات تشريعية متسقة مع الإقرار بأنها امتداد للتوراة كونها العهد القديم، ولأن الإنجيل في كل نصوصه، كان رصدا ريبورتاجيا للسيد المسيح، لذا فإن التواصل النظري مع هذين المشروعين قد بات مستبعدا للذين يؤسسون أي معنى للمشروع المنبثق من الدينين. وعلى ضوء هذا التصور تصبح مقولة الفراغ الأيدلوجي مبررة جدا، على اعتبار أن الدين لم يُفعل، أو ينتقل من كونه مُقدسا إلى واقع المعنيين به.
 
لِم التحق الإسلام بقاطرة الأديان إذا كان العالم بصدد الاستغناء أو يكاد عن مقدساته؟
من السفه أن يعتقد البعض منا أن هذا السؤال مطروح في الفراغ، بل إن الإجابة في واحدة من توجهاتها تثبت لي بشكل شخصي  ثمة علاقة بين العلمانية والإسلام، لكن أي علمانية تلك؟
علينا أن ندرك يقينا أن العنصرية اليهودية تواجه على الضفة الأخرى من النهر عنصرية مسيحية بتخريجات مختلفة، وإن أدت في النهاية لنفس النتائج، لأن الإله الحصري الخاص ببني إسرائيل، قد وجد إلها حصريا آخر ينهي مسألة المعتقد بذاته، عندما قبل طواعية أن يأتي في دراما غير مسبوقة؛ كي يقدم بدمه قربان الخلاص، منهيا أزمة المعتقدات الملتبسة، ويضع حدا للتجديف على الميتافيزيقا. ولأننا على ميزان التحليل المنطقي لم نقبل التصور اليهودي، الذي حكم بكفر الآخر قبل أن يوجد، وعلى نفس الدرجة لم نجد حتمية معينة تدفع بالرب بقصد التصحيح أن يغادر مملكته كي يؤسس في بيان توضيحي إشكالية الخلوص، وبموت ودم؛ يبلور ظلما لذاته، ويستصدر حكما استباقيا بكفر الذين لم يكونوا حاضري مشهد صلبه.
 
ليس سهلا أن تؤسس كذبة بطعم الورطة إلا إذا كنت تريد في الأساس أن تدافع عن معنى وجودك ومشروعيته، وجود يشعر بثمة تهديد غامض وراء التلال، معنى فقدت في سبيل تحقيقه التركيز. ولاسيما أن المنطق الدرامي الذي حكم القصة كلها أزمة إنكار، فلا المسيحية حسمت أزمة وجودها مع اليهودية، ولا الإسلام نفسه قد حسمها مع السابقين عليه، رغم أنه قد آمن بهم جميعا، لكنه ملزم أن يسير للنهاية في دوائر الإشارة لمناطق الاختلاف كونه نهائيا.
من هذا المعنى يتبلور مشروع قد فرض نفسه، مبدئيا على مستوى التصحيح العقائدي، مرورا بالتصحيح الشرائعي، حتى ينتهي لإنجاز معنى المسئولية التي حملها، أو للدقة حُملت له. وعلى ضوء هذا التصور لم يكن مطلوبا من اليهودية أن تناضل كي تكتسب أرضا جديدة لعقيدتها، والمسيحية بدورها قد قامت بإزاحة مفهوم النضال للقادمين الذين يريدون الالتحاق بملكوت الرب. على كل حال لم يعد غير الإسلام محكوما بهذا التصور، وليس جديدا عليه، فمهمته نضالية حتى بدون تنامي هذه التصورات التي نتجت عن السابقين لدعوته.
كانت المسيحية رجل العرض الوحيد، وإيمانا بغواية هذا المعنى، تم تأليه المسيح كي ينتهي أمر المعتقد على عكس الإرادة القادمة التي تسعى بدورها للتصحيح ومن ثم الإنقاذ، وبدا للعالم أن اليهود قد قتلوا الرب؛ فاستحقوا الكراهية. وبدا المسلمون في أمس الحاجة لأن يفيقوا من خرفهم!!
 
 بعد هذا العمر، والتورط في ذاك التأمل المُمل أحيانا، وجدتُ أن التاريخ لا يعيد نفسه، بل أن حركة الناس على ظهر الكوكب؛ إن هي إلا عرض مسرحي متواصل، لم يتغير النص وفكرته، ولا جمل بعينها من الحوار، فقط سقط الممثل ميتا في واحدة من ليالي العرض، وجاء آخر يستأنف الدور.
 
إن الإشكالية الكبرى التي وجد الإسلام نفسه غارقا فيها أنه لم يؤسس الموضة، ولم يسع بطول الوقت لأن يؤسسها، لأن مهما اختلف يقين الناس في جدوى شريعته، يدركون أن في بواطنها ثمة حل لم تدركه الأفهام، وهذا يفسر إلى حد كبير.. لِم كان التأصيل والتفسير المنضبط للمتن المقدس مقدما على غيره من نشاطات المسلمين الفكرية الأخرى، لأن الفقه لا يتحرك من أجل اختبار صلاحية الشريعة، بقدر ما يسعى لإنجاز الحل من خلالها، وفاعلية الفقه تكمن في سلامة إنجاز هذا الحل السحري لأزمات اجتماعية وغيرها تعيق حركة المسلم في حياة يُراد تعميرها.
 
 الآن، لاشك حدث تعطيل لهذه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نقد ثقافة الشرخ 5/8

كتبها شوكت عبد العزيز ، في 12 أكتوبر 2011 الساعة: 07:06 ص

 

مما لا شك فيه أن العالم العربي متى أخضعناه لصولجان النظرية بقصد تحليله، فنحن بالتأكيد نمارس عبثا، لتاريخ معظم لوحاته، ولاسيما المتأخرة، سريالية إلى درجة، وتُحير ذائقة التلقي، إلى أي من مدارس الفن تنتمي هذه اللوحات.
في منطقة الشام، ولو أخذنا العراق في متن ما نريد قوله هنا، لم أكن استشعر شرخا واحدا، بل شروخا مُعجزة، غريبة، ومستفزة، ومثيرة للجدل والتأمل معا.
لم أكن أشعر بحميمية ما، فكل من تقابلهم في الأردن غرباء، فكرت في مجرد المرور السريع عليها ومن ثم العبور للعراق، لكن لستُ أدري، ففي كل مرة أحاول تجريب الفكرة؛ رغم يقيني المبدئي أن هذه البلاد كلها، فيما عدا لبنان، ليست في يقيني الشخصي أرضا للطموح، فأتجاوز العراق، رغم غواية التمر، وذكريات الفتنة.
 
في واحدة من تداعيات جنوني، رحلت بجواز سفر طالب إلى الأردن، كانت الجبال التي تشرف على ميناء العقبة تعطيني ملمحا من ضغينة لا أعرف له سببا، تضغط الصدر بانقباضة، وكانت التترات التي أعرفها من قبل وصولي كمعلومات عامة، دينار قوي، وفلسطينيون كـُثر، من الأفضل أن تحتاط لنفسك عند التعامل معهم.
أسوأ ما يمكن استخلاصه من المراهقة الفكرية، إنك دائما وأبدا تحمل إطارا تريد لأن تضع فيه ما تفهمه، وفي ذات الوقت تعيد تخريج ما تعرفه لأطر أكبر، والمأساة كلها، عندما تكتشف هذه الضدية التي تتبدى لك من العالم، قياسا على ما تحمله يقينا من فكرة سابقة عنه.
لذا فكل ما أحمله عن هذه الرحلة أنها كانت قصيرة، وموفقة ماليا في نصفها الأول، مخيبة للآمال في خواتيمها، أثر مغامرة للعبور إلى أوروبا عبر هذه الأراضي. وإن كان ما رأيته فيها من النازحين هم الفلسطينيون، فقد صدق الله حتما، لو كانوا هم المعنيين بالقوم الجبارين.
 
اكتشفت قاموسا للسب واللعان، ربما لا يتسنى لأي لهجة عربية أخرى، ورغم التشابه الواضح بين اللهجة الفلسطينية والسورية واللبنانية، لكن يبقى القاموس الشعبي الفلسطيني بالغ القسوة، ولاسيما في اللعان الذي قد يصل لله في أغلب الأحيان، وبإيقاع ولهجة بالغة التجاوز.
 
لا يمكنني القول أن قناعاتي قد سقطت فيمن رأيتهم، لكن وضعت معطياتي التي تتجه للثقة في الشعوب القديمة عموما، و تستند على مكون حضاري معروف في ركن بعيد، وربطت كل شيء بالمأساة الفلسطينية، التي انعكست بدورها على منظومة السمات الشخصية، ورد الفعل، وشكل التعاطي مع بلاد؛ ليست بروعة الوطن الذي تركوه في ظروف استثنائية، وفي منعطف تاريخي يجعلهم يكفرون بكل ما هو عربي، حتى ذواتهم.
 
في منتصف الثمانينات لم يكن مرَّ على اغتيال السادات سوى سنوات أربع، ربما لم  أكن مولعا بحوارت مع الناس، تستند على مصريتي، لتقييم السادات، أو السلام بشكل كثيف وضاغط، لكن كنت ألتمس شماتة من نوع مفرط في سواده تجاه الرجل وأطروحته، ويتبدى موته على النحو الذي حدث كقمة العدالة، ويتم تحميل كل ما هو مصري مسئولية ما حدث، فمن السهل أن تجد من يسبك، وإن احتاط قليلا يسب مصر نفسها، ولست أدري يقينا ماذا كان ينتظر هؤلاء؟
فلم يكن متاحا لنا كمصريين أن نذهب إلى قصر القبة، ونصفع السادات كفين كي يعود لصوابه. ومنذ متى ونحن نملك هذا الحق، ومن في بلاد الضاد كلها يستطيع أن يتكلم مع رئيسه؛ فينعكس هذا بدوره على مؤسسة الحكم هنا أو هناك؟
لكن ودون أي تزيد، كانت كراهية السادات ونحن معه سمتين بارزين في الخطاب الشعبي الفلسطيني، للدرجة أن ضحكت ذات مرَّة وأنا أتحدث مع رجل من سكان جبل التاج، وأنا أقسم له بأغلظ الإيمان إنني لم أكن موجودا بالكنيست، وأكره كل من له علاقة بالهاجاناه، والسادات وهو في طريقه إلى كامب دافيد قد وضع لي منوما في الشاي كي يذهب وحده.
 
في الرحلة الثانية كانت الأمور أكثر وضوحا، وجدت أن الأردن بالنسبة لي وللتاريخ-ربما-  صالة ترانزيت ليس أكثر، وإن كانت تمتلك تاريخا لا أعرفه بالكلية، لكن يظل عندي ثالوث بعينه يتحرك بين "الكرك" وما حدث على طريق الحج، وقتل المسلمين من أميرها وقتئذ، وكذلك الجيش المريمي الذي تورط في عمل مشابه، وفي الكرك مجددا غزوة "مؤتة" وبعد أن تطاولت سنوات غربتي، قرأت الفاتحة لأمين أمتنا أبو عبيدة بن الجراح في الأغوار الشمالية، وألقيت نظرة على الكهف بعد أن غادره أصحابه.
 
في هذه البلاد لا تلمس فقط موروث الضاد القبلي والعصبيات والشروخ في معناها الكلاسيكي، فرغم عطاءات الفلسطينيين منذ دخلوا في أثر النكبة الأولى(48) أو الثانية(67) وتأثيرهم واضح في شكل الحياة وعصرنتها، ورغم جوازات السفر التي توحي بأردنة النازحين، لكن وجدت أن المأساة أكبر من التماهي في الجانبين، فلا الأردني الأصلي استوعب ما حدث، ولا الفلسطيني شعر للحظة أنها الوطن النهائي، ومؤكد هذا حقه.
 
كان مصنعا للبطاريات السائلة، يمتلكه فلسطيني، لكن لاحظت أن المكان بالكامل قد جاء على هيئة معسكر، الشكل العام لا يوحي، لا بأحجار، أو أسمنت، مبان كالتي نعرفها لمبيت الجنود.
كنت أمتلك القبول والتواصل الجيد مع زبائني، فسألت صاحبه وبشكل مباشر .. لِم لم تبنِ مصنعك بالحجار والأسمنت؟
للصق لم أراهن على الإجابة التي سمعت. فلقد قالها صريحة: الحجار والأسمنت لو كان المصنع في البلاد. وهنا يقصد فلسطين يقينا.
كل الناس تعرف بعضها، وتدرك من أي البلاد هي، يكفي لأن تنطق لقب العائلة؛ كي تعرف المنطقة التي نزح منها هذا الكيان المأزوم.
 
عندما أحلل خطاب الغواية الذي أنتجه إبليس، كان ضروريا أن يوسوس بشجرة الخلد، هو الخلود، كراهة الموت، ظلت فينا أصداء هذه الوسوسة ونحن ننتخب أسماء أولادنا، ونفسر سر ابتهاج الجدّ عندما يحمل حفيده اسمه الذي سيتخلد دونه، ولكنه خلود على أي حال.
منذ فترة، أشرت لأبرز معالم الشرخ، والتي انطلقت من المعادل الموضوعي للأهلي والزمالك المصريين: الوحدات / الفيصلي، الوحدات ناي المخيم، والفيصلي ناد الأردنيين الأصليين. السُنة والشيعة في تخريج مختلف، كنت أتعجب من هذا الاختزال الغريب لفكرة الشرخ نفسها، لأن المسألة لم تكن أنصارا لهذا النادي أو ذاك، بل قيادات، وإدارة وكوادر، شخصية فلسطينية بارزة تدير ناد المخيم، وعشائري كبير يدير شئون ناد أصحاب البلد.
كنت أبحث؛ لِم سقط الاسم القديم للوحدات(الضفتين) ربما كان الأخير إشارة دالة لشيء سقط بعد أيلول الأسود، فكان التحول للوحدات، أبرز فصول دراما أيلول، وأكثرها دموية.
ربما فينا من لا يتابع الدوري الأردني ويتلمس شراسة المنافسة، ومؤكد فينا من لا يعرف الوحدات على منحى كرة القدم، لكن قارئ الشعر العربي المتمرس يعرف الوحدات من "أمل دنقل"، ولاسيما عندما يتساقط الشعر من شلال الوجع العربي ممزوجا بالدم.
 
لستُ أدري يقينا لِم كان يضغطني هذا المعنى، فأنا الغريب في كل الأحوال. الغريب إنني لم أهتم باستقراء ما حدث في هذا الأيلول، صباحا ومساءا ألاقي طرفا الصراع أو الملحمة، ولم أرد لأن أسأل أي كان منهم عن القصة. في مثل هذه الصراعات لن تجد تأويلا موضوعيا للتاريخ، فشل معروف، كفشلنا في تبرير موقف عمرو بن العاص من البيعة والخيمة، وحصار عثمان في بيته بتبريرات مقبولة. لكن المؤلم إننا أمة ماضوية بامتياز، وربما لتناسل التراجيديات العربية؛ فقدنا القدرة على التسامح والغفران. لأن لو كان اسم الوحدات نفسه إحالة لما حدث في هذا المنعطف المنعوت بالأسود، تخليدا لذكرى هذا الشرخ، لكان الأمر مُحتملا، لكن أن يتحول اسم شارع مهم ومؤثر في وسط المدينة، يربطها بكل ما يحيط بالعاصمة إلى اسم إشكالي، تختلف الإجابة، باختلاف من يجيبك، فتلك قضية أكبر من الشرخ، بل هي في جوهرها حكم قيمة لعلاقة لن تتحد يوما في معنى عروبي أكبر بكثير مما كان؛ لأن من يقول شارع اليرموك هو الأردني الأصلي بالضرورة، لكن الفلسطيني لا ينطقها بأي حال. لأنه (وادي الرمم) في الضمير الجمعي الفلسطيني، وسيكون من نافلة القول أن نبرر لِم كان واديا للرمم؟
في مناطق بعينها كنت أتفرس هذا الشارع، أثر لقذيفة، أو طلقات رصاص كثيف في جدار، أو تسوية تمت لجبل، تقف شاهدة على ما حدث، ومؤكد ليس من العقل أن تظل الجثث قائمة للوقت الذي ولجت فيه إلى الشارع؛ كي أتأكد من قوانين الإحالة التي خلقت هذا التوصيف.
 
في الشام ظهرت التأويلات القدرية للأحداث، وفي ظل الدولة الأموية كانت هذه الحمى، الغريب أن أقدار هذه الأمة كثيرة وممتدة، الحرب قدر، والدم، والملاحم، والفتن اختبارات قدرية تستوجب حلولا قدرية بدورها.
ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb



الحب لغة ركيكة كـ ( أنتي) في بدايات وهمي


التالي