رغم حرصي الدائم لأن لا أنتج حكم قيمة، لكن للصدق لم أرَ في شعر العامية تأسيسا يتماهى مع مكونات الحقيقة الاجتماعية كإطار ضاغط وحاكم لكل الظواهر النصية بهذا الانسياب والبكارة، بالإضافة إلى طغيان الحقيقة الشعرية، والتي بدت في عطاء يجب الانتباه إليه فعلا.
صوت شعري لا أعرف سببا واضحا لغيابه، بل يبدو في ذاكرة جيله ورفاقه، وكأنه تراثا حكم عليه النسيان بالنفي، وأقول على سبيل الجملة الاعتراضية: إن طقس العامية السكندرية بوجه عام يفتقر إلى الحد الأدنى من الموضوعية والشهامة في آن، ولاسيما أن شاعرية "إيهاب الشاعر" في ذائقة مجايليه تعاني نفس الإصرار اللافت على نفيها بنفس الدرجة التي تحدث مع شعر "طارق السيد" إلا من رحم الله؛ لذا؛ ورغم عدم لقاءي بهما واقعيا، لكن؛ ليكن إيهاب الشاعر هنا؛ كتابة من أجل العامية.
إن السريالية ليست غيابا متعمدا للمنطق الذي يحكم ظواهر الأشياء، أو تعبيرا عن موار لاواعي، أو انسلالا للمناطق العمياء من الذاكرة الجريحة وحسب، وإنما أدوات قديرة تساعد شاعرية ذات مواصفات خاصة؛ تتسلل إلى حالات جنونها، بقصد استقرائها، وإعادة تنشيط فاعليتها؛ كي تتضافر مع الإنتاجية الشعرية، وتؤكد فيما تؤكد تنامي حالات الشطط الفكري، أو تمظهرات الحيرة التي تؤثر في تبني رؤية متفردة لمنطق الأزمة ومعطياتها.
لم يكن احتفال الحداثة بالسريالية في إطار الصورة الشعرية –مثلا- كأداة للتعبير عن التوتر أو التورط في إشكالية التشظي، سواء في البنية اللغوية، أو في منحى الأفق الدلالي سوى محاولة لإعادة ترسيم الخيال نفسه وتحطيم الأنساق التي بدت كحيل بريئة في شعر يتسم إلى حد بعيد بالنمطية، وإنما قصدت لأن يتحول النص في بعض تأويلاته إلى ما يشبه حديث أريكة، ومكاشفة لطبيب يعالج إنسانية على درجة كبيرة من الإحباط المأزوم، وتعاني انكسارا ضاغطا، بدا الواقع فيه وكأنه بلا معنى.
في ضوء هذا النص الذي وجدته في كتاب"رؤى" في صدفة قدرية في الحقيقة، لا تبدو السريالية في شكلها المألوف، ولا مستويات التجربة الانفعالية المتسمة بالتوتر الحاد، ولا موار لاواعي يكشف شذوذ الرؤية، ولا مستويات معينة من التشظي التي تفجر منطق الحبكة الدرامية للنص إذا جاز لنا أن نصفها هكذا، ولكننا نلحظ سريالية أنتجتها الشاعرية على غير مثال، ولأنها خاصة جدا، ارتدت ثوب البساطة كي تخفي هذا الموار الذي يجوز تأسيس السريالية فيه على اعتبارات خاصة.. منها:
1- مناخ الارتباك وعدم الثقة.
2- فقدان المعيارية.
3- فوبيا الزمن، وسرابية الفرص.
كل الحاجات بتشدني لشارع جديد(*)
وكل احتمالات الغنا
ف عيون صحابي
وف عيون بنت الجيران
أشباح تملي باشوفها في الحزن المفاجئ
إن مناخ الارتباك وعدم الثقة عندما يكونان مستندين لشاعرية تمتلك زاوية رؤية خاصة بها، لا يبدو إلا في ثوب ارتباك مرجعي أصلا، يحتفظ لنفسه بالبقاء في محيط جدلية تبدأ من معطيات المُتخيل، وما هو كائن فعلا. التصور المثالي للواقع، ولقاء تشوهاته وجها لوجه، وهنا لا تبدو الذات الشاعرة، أو الذات عموما بصدد إنتاج حكم قيمة فيما يتبدى لها من مفارقات مرجعية، ولاسيما أن هذه النوعية من المعالجة تقر ضمنيا أن هناك ثمة فكرة سابقة عن العالم، وهذه الفكرة بدورها الميزان الذي ستقيس عليه وتضبط حركتها على ضوءه، لذا تضيع الفكرة والتصورات في طقس غرائبي، لا يمكنها من إنتاج حكم قيمة يخص هذا الكم من الفوارق الجوهرية بين المعتقد والمتحقق. وهذه أول بذور التوجه السريالي الذي يفقد في واحدة من دلالاته هذا الواقع الكثير من منطقيته، لكن الجديد هنا أن مقدرات التشوه، أو إبداء حالة الحيرة الممتعضة لا تؤسس لنفسها إحساسا معينا بالقبح أو الاتكاء على مفردات شاذة في ذاتها، بل تؤكد بفاعلية أن كل ما يحدث غير قابل للتحديد{ كل الحاجات/ وكل احتمالات} حاجات يصعب تحديدها، والغناء لا يرقى لرتبة اليقين، بل ظل في دائرة الاحتمال. سواء في{ عيون صحابي/ عيون بنت الجيران}.
عند التماس مع فيوضات بهذا المزاج الحائر لا تتجاوز حدود الارتباك معطيات رؤية مأزومة في ذاتها، وهذا في حد ذاته أول انعتاق من جوهر السريالية المعروفة، ولكنه ارتباك التوصيف الحادث على محك الفاعلية النفسية، والمرجعية في آن، ولاسيما أن الحاجات التي هي منتمية أصلا للشارع القديم قد تم تجاوزها، نحن هنا لأشياء خاصة"تشده" للشارع الجديد، والذي لم نتبَّين معالمه، لكننا نلتمس حالة أخرى من التناول المُسريَّل لعلاقتين إنسانيتين لا يمكن الربط بينهما بسهولة،{ عيون صحابي/عيون بنت الجيران} رغم وجود أرضية مشتركة تم تكريسها لفعل (الغنا).
لا يمكن الربط، وإن اجتهدنا لأن يحدث، لأن سريالية الرجل ليست مُبهمة، ولكنها لا تفصح كذلك، وخصوصا في إبراز الصراع الفكري، رغم وجود العامل المشترك الذي أشرت إليه كمشترك بين حالتين يبدوان مختلفتين، ولكنها نتيجة لسبب، أو سبب يجتهد لأن يصل لنتيجة، هنا اختزال الرؤية أو بترها أو تهويمها ليس بأي حال مخافة التورط في أحكام قيمة قد لا تكون صحيحة، ولكنها تفاعل مرتبك بين إشكالية الغناء سواء عند مستوى الأصحاب، أو عند بنت الجيران، والتي بدت كإشارة لأنثى في ثوب الأمنية.
إننا لا ننتحل أمزجة عدم الثقة في العالم إلا على ضوء تجارب متصلة تخلق هذا الشعور. لكن لا يمكن توظيف هذا الربط بلا جدوى واضحة قالها المتن الشعري، ولا نسعى لتبرير المضمر، وإن كنا نسعى للتعامل مع (الغنا) كمفردة إشكالية في عملية الربط نفسها، ولاسيما إذا تساوت الاستحالة بقناعة الاحتمال في عيون بنت الجيران كمعادل موضوعي للأصحاب أنفسهم، بل إننا نتجاوز ونجاهر أن الارتباك هنا عاجز؛ مرة لوجود المفردة في دائرة الاحتمال، ومرة لبنت الجيران كحالة لم تُحسم يقينا كتناول عاطفي محسوم النتيجة، ولاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الحتمي في المسألة كان في حضور كل ما سبق في صورة أشباح مرتبط تجليها مع ذاك الحزن المفاجئ.
إن الانفصال الواع عن هذا العالم المرتبك كان اتجاها خاصا لشاعرية حققت طرحها الخاص، انفلتت جدليا من مغبة العجز عن التوضيح والتحديد إلى دوائر صنع قرارها الذي يحمل في طياته رغبة لصياغة غربتها.
إن هذه الروح تعاني، وإن كانت تصر على عدم الإبانة، لا عن عدم ثقة في جدوى الإعلان عن هذا الكم من الشروخ والهزائم، ولكنها أزمة تواصل لا يمكن ربطها من جانب واحد بالذات الكامنة خلف فعل الكتابة، وإنما هي أزمة يجوز ربطها بالشاعر الحقيقي الذي يصارع العديد من المعطيات الضدية التي تناصبه العداء.
إن عامية الرجل تصارع نفسها والحقيقة الاجتماعية في آن، رغم تزاحم أطياف هذه الأخيرة في متن النص، لذا فإنها ليست ريبورتاجية في حال انفصام، ولكنها رصد تفاعلات أزمة الذات والرؤية، أن القول بفقدان المعيارية هو إقرار بأزمة اغتراب حاد وطاعن، جدليات متواصلة في وجود ولا وجود، فاعلية وسلبية منسحبة، صدام المعتقدات والشك في جدواها، وزخم لانهائي من العبثيات تضرب المشروعية في م






















