في حقيقة الأمر لا أريد محاكمة الواقع، وإن كنت دائما أضعه في موضع من ينتظر منه إجابة ترضي فضولي، ومازال يحدوني الأمل أن أجد ما يضيء دياجير الآن المرتبك، ولاسيما أن السوق الذي يطرح الأيدلوجيات المختلفة، قد بات ماثلا أمامي بلا زبائن، بل أن الذباب الكثيف ربما يعوق بصري لأن أفحص الأطروحة من جديد. لذا أسأل.. لأي سبب من الممكن أن تلقي ملابسك في صندوق للنفايات، وتراها لم تعد ذات جدوى، وغير متسقة مع قانون اللحظة؟
ليست من الصعوبة بمكان إجابة هذا السؤال، إنها الموضة التي تستطيع إنتاج هذا المعنى، تجعلنا نلقي بكل شيء في النفايات وأبعد، طالما أن صيرورة الموضة قد قررت، دون أن تمنحنا بعض فرصة لإعادة النظر فيما سنلقيه. لكن لم أكن أذهب في غياهب التصور أن نلقي أنفسنا مع ملابسنا، ونمكث عرايا من أي شيء، وتظل متعة حياتنا أن نتأمل فقط ما ألقيناه في ذاك الصندوق، ونرتدي ما لا يستر في كل الأحوال.
إن المحاولة والخطأ في التفكير، ومن ثم الممارسة الفعلية لما نؤمن به، تعني إلى حد بعيد أنه لا يوجد ثمة مطلق أرضي، لكن تظل المشكلة تتحد مع رغباتنا في واحد من أمرين: رومانسية البحث عن محاولة بلا خطأ، أو التمادي في إنتاج المحاولة بلا سقف.
الأولى نفذها من يقولون بالمشروع الإسلامي، والثانية تورط فيها الذين يؤسسون أيديولوجيا بشرية للنهاية، ودون الاحتكام لأي نوع من المرجعية. الأولى جعلت من الدين طرحا جامدا مخافة الاجتهاد ومن ثم الشطط، والثانية جعلت من المقدس تراثا إنسانيا. إذن يبقى السؤال. أين المشكلة؟
في حقيقة الأمر لا يمكن بأي حال أن تكون جدوى الدين على المحك، بل لا يوجد ثمة فائدة واحدة ستعود على منكريه، أو للذين يسعون لاستبعاده كونه تراثا. وفي ذات الوقت لا يوجد ما يدعو لأن نربط الدين بما آل إليه مصير أتباعه، مادمنا قد أقررنا بشكل أو بآخر أن ما نلمسه من سلوكيات عامة للمسلمين بأنها – غالبا- ليست من الإسلام في شيء، بل إن ما يدعونا أحيانا للتوجس من أتباع الديانات الأخرى هذه القطيعة التي حدثت بين الأتباع والمتن المقدس، وما أنطوى عليه من إشارات ومفاهيم لم تعد متحققة في يقينهم، ولا في حظيرة حياتهم.
يعتقد البعض أنه من الخطأ الفادح أن يصير الإسلام أطروحة أيدلوجية، لأن ذلك من شأنه توريط المقدس في اختبار صلاحية إذا ما قيس بالواقع المعني به وبأطروحته؛ قد يصيب وقد يخطئ، وهذا سينسحب بدوره على معايير القداسة نفسها.
إذا اتفقنا طواعية أنه لا يوجد فكرة بلا سقف، فإننا في هذه الحالة نواجه أزمة تأصيل للإسلام كطرح أيدلوجي، ولو بشكل مؤقت لحين الوصول لما نريده هنا. ولو ذهبنا لأعلى درجات التطرف أن كل فكرة مثالية بالضرورة، فإن فسادها- إن حدث- نابع من سوء الممارسة، أو شطط التأويل. وإذا اعتمدنا على قاعدة البداهة الديكارتية، فإن الإسلام كدين قد تأسس على علاقة شبه درامية إذا جاز التعبير مكمنها الله الخالق، والإنسان المُستخلف في هذه الأرض لوقت معلوم، ويتحرك في معطيات الخلافة على ضوء منهج يصون حركته في الظرفية التي وُضع فيها كي تستقيم حياته.
أريد أن أقف –مؤقتا- مع الذين يريدون إقصاء فكرة المنهج من المسألة برمتها. أي أن الإنسان عليه أن يتدبر أمره، ويدير رحلته في عمارة هذا الكوكب وفق ما يراه. من هنا، واستنادا لسمت المثالية إذا ما ربطناه بالأفكار الضابطة لحركتنا، فإن أدوات الضبط المعياري لهذه الأفكار، أفكار أخرى بالضرورة {مادمنا قد قمنا بتنحية المقدس} وفي تسلسل يعيد تصويب ما ننتهجه منها في إطار وعينا بضرورة وجود منظومة الأفكار وتفاعلتها، وعلى الدرجة نفسها استلهام الضبط من بعضها.
على ضوء هذا التصور مؤكد سنصل لواحدة من نتيجتين: سيولة لانهائية للأفكار، تتحرك في إطار جدلي مربك، أو ولأنها منتج بشري لن نصادف وحسب إشكالية نقصانها وعدم أحاطتها، ولكننا سنصادف أزمة شخصنة تتلبس مؤسسيها، وتتخذ من نفسها في يقينهم معنى المرجعية الضامنة على مشروعيتها، وعلى الدرجة نفسها قد تتخذ خطوطا عريضة تحدد للمريدين والأتباع آليات تفسيرها وفهمها على ضوء محدداتها النظرية.
إذا أقررنا بهذا، فإن كل فكرة ستتحرك وفق بُعد نظري تأسيسي، وآخر اجتماعي ينعكس عليه مدى فاعليتها، فصناعة نظرية ليست ترفا، ولكنها إعادة ترسيم للمجتمع المعني بها، وفي كل مناحيه، وبالصورة التي تتطلب منا ضبط فعل التنظير ذاته كي لا يتشرذم المجتمع حال خضوعه للعديد من التأويلات والتخريجات المُفسرة لمتن النظرية، والتي قد تأتي بعيدة عن الهدف من صياغتها.
لكن هذا التصور رغم كل شيء قد يبدو مثاليا إلى درجة، لكن إن أخضعناه للتحليل، لوجدنا الأمر يحتاج منا إلى ما يمكن اعتباره تأسيسا عكسيا لعلاقات النظريات والأفكار معا، بمعنى أننا لو كنا نثق في هبوط النظريات على الناس، فلا أقل من عدم التورط لأن نصادر على يقينهم في شكل تعاطيهم مع الأفكار المطروحة مجتمعيا، أو اختبار صلاحيتها وموائمتها في جدل صاعد لمحاكمتها. لأن لو حدث هذا واقعيا لمنحنا الأفكار حالة من القداسة، تراهن على كونها ثابتة، أو ربما تجلس بعيدة عن إمكانية نقدها. وهذه مهمة لا يجب أن يضطلع بها صانع النظرية وحسب، بل المجتمع كله.
لكن ما يحدث واقعيا إننا نحاكم الأفكار، بل ونعتمد في هذا على كونها بشرية وليست مُقدسة، وننتهي لصياغة أخرى، إما في طرح تصحيحي، أو في إطار طرح بديل.
في حقيقة الأمر إن هذا التصور يحمل غواية من نوع خاص ، يمكن تفسيره حالة انفلات من المقدس على اعتباره غير قابل للنقد أو التغيير أو التعديل، والذين يريدون الاحتكام للأيدولوجيا البشرية يتحركون في حظيرتها على اتجاهين: أنها ليست مقدسة، وكذلك يمكن تغييرها، ولو ذهبنا لما هو أبعد لكان هذا الميل في طياته يحمل معنى الرغبة في عدم ثبات المرجعيات كي تستمر الأفكار في سيولتها، وتتحرك في جدليات سرمدية، دون الوقوف عند مرجعية واحدة تحكم حركة العالم، وتحول دون أن تتشرذم البشر تحت وطأة الاختلاف النظري، أو التفسيري للنظرية الواحدة. لكن إذا كان الهدف من ذلك الاعتقاد أن المقدس نفسه غير ملائم أو متسق مع حركة التطور التي تعيشها المجتمعات فتلك قضية أخرى، ولاسيما أن تصور ثمة صراع بين أيدلوجيا صنعها الإنسان، وأيدلوجيا صنعها الله، تصور لا يخلو من سذاجة، إلا إذا كان هناك من يعتقد أن الله لم يكن مشغولا بصناعة أيدلوجيا أصلا.
إن الصانع والمصنوع وكُتيب الصيانة ثالوث واضح، لذا فمن البدهي أن يكون الله قد وضع هذا الكتيب بالفعل، لكن ولأن البون شاسع بين منطق الآلة، وتعقيدات الإنسان كتركيب سيكو/فسيولوجي ربما أضاف لهذا الكُتيب أطر الصيانة، ومستوجبات الفاعلية، بمعنى إقامة الحد الفاصل بين سوء الاستخدام، والأداء النوعي وتطوره، لكن بيد أن هذا التطور ليس مؤسسا على فراغ، إنما متسق مع الأطر الأساسية التي أنبنى عليها هذا المخلوق. لأن لو جاء التطوير على هذا النحو الغير المتسق مع هذه الأطر، فنحن بصدد مسخ أو تشويه، أو تغيير يسيء للمتن والهامش معا.
الغريب؛ فينا من يرى أن هناك أيدلوجيا إلهية ضابطة تتجه بشكل كبير لحركة الإنسان ككائن عابد، وليس ككائن يعيش، بالمعنى الذي يُحدث انفصالا بين مفهوم العبادة، والتأسيس العملي الدنيوي، وهذا المعنى يقينا قد يذهب بمفهوم الشريعة إلى إنجاز هدف لا أراه من الدين في شيء، وهو تأسيس أمة من الدراويش، وليس تأسيس مشروع أممي نهضوي بامتياز.
سيكون من نافلة القول المرور مجددا على مفهوم الفراغ الأيدلوجي الذي أتسق مع معنى الدين وهامشه الاجتماعي، على اعتبار أن الدين لم يُفعل، سواء على هامش اليهودية أو المسيحية، أو للدقة ظلت المتون المقدسة أدوات لضبط فعل العبادة، وليست للإدارة.
إذن، لا يمكن بأي حال على ضوء هذا التصور الوثوق بوجود حضارة دينية، أو مؤسسة على معنى ديني، لذا فمع تطور شكل الحياة يمكن النظر للأمر كونه وقوعا للإنسان تحت ضغط نوعين من الإلحاح: إلحاح العبادة وإلحاح التعمير الأرضي، واحد يضبط العلاقة مع السماء، والآخر يضبط العلاقة مع الأرض. لكن ما هي الضمانة ال
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ