في البدء أعترف إنه من الصعب بمكان أن أتحدث عنها؛ وحتى لو قيل إنني شاعر؛ رغم كم التحفظات التي أبديها على هذا اللقب؛ فيقيني أن الشاعر رجل تجاوز الطبيعة البشرية العادية حتى أقترب من كونه نبيا أو يكاد؛ لكن على كل الأحوال ما كان لي أن أكتب عنها قصيدة كاملة تخصها وحدها؛ فقط كنت أمر عليها دون المكوث كثيرا عند تفاصيلها.
ربما مفتون؛ ربما متطرف في الحب؛ لكن أشهد من واقع شخصي على الأقل؛ ما من أحد أحب أمه مثلما أحببتها؛ ولا توجد أم أحبت أبنا لها مثلما أحبتني هي.
كانت نموذجا غريبا للنساء؛ جميلة؛ شعرها آية؛ وصفاء وجهها يُشعرك إنها اختارته من جملة وجوه كثيرة عُرضت عليها؛ عيناها الصباح؛ تنظر إليك وكأنها تخترقك بآلات لا قبل لك بها؛ أما عن سجاياها فلو تركت لنفسي العنان لقلت الكثير والكثير؛ لا لأنها أمي في الحقيقة؛ لكنها امرأة من زمن لا يتكرر؛ قام بتربيتها رجلان ما أن يأتي ذكرهما على لسان الجيل اللاحق في هذه الأسرة حتى فاضت عيناه؛ كانت العطف والرحمة؛ وعلى الدرجة نفسها الصرامة والشدة والتعنت أحيانا لبلوغ المثال الأخلاقي حسبما تفهمه وتعتقد فيه.
من الثاني عشر من مايو 1934 إلى 16 أبريل 1996 كانت رحلتها في الحياة؛ نصفها الأول كان العتبة التمهيدية التي خلقت تداعيات نصفها الثاني؛ ففي الرابعة والثلاثين ومن تداعيات الأزمة التي ألمت بأخي؛ أصيبت بمرض السُكر الذي ظل يستنزفها للنهاية وماتت به.
الحزن عندها لم يكن عرضا أبدا؛ بل جزء من تكوينها؛ ربما من وراء ذلك كنت أفسر ذلك الشجن الذي يغلف صوتها ونظراتها الذاهلة نوعا؛ مات أخوها الأكبر الذي اعتنى بتربيتها في نوبة من نوبات هذا الماضي البعيد المؤلم؛ طعن براءتها موته وموت زوجته من بعده بأيام ومن ثم موت أبنه الأكبر في تداعيات مرض السُل الرهيب. خرجت من بيته هي وبنتيه الباقيتين؛ ورحلا مع أبيها إلى بيته. سنوات طويلة ولم تنس الشيخ سليمان أخاها ولا زوجته(ملك) ولا محمد الذي اختارت هي أسمه …..
لكن ورغم هذا الحزن الطاعن في نفسها؛ كانت تمتلك روحا وخفة ظل متى أرادت تستطيع أن تُضحك الحجر؛ وفطرية غريبة في إبداء وجهات نظرها. لذا لن أتحدث عنها إجمالا لأن ذلك بالضرورة صعب جدا؛ لكن سأتحدث عن بعض من كل من مواقفنا الطريفة معا.
إذا سألت أمي عن أجمل صوت نسائي سمعته في حياتها لقالت بلا تردد: صوت الممثلة زوزو نبيل وهي تحكي كشهرزاد للمدعو شهريار في ألف ليلة وليلة؛ وبعد كلام الله لم تشعر بمثل هذه الحلاوة التي كانت تصل لسمعها من خلال هذه الحلقات الإذاعية الشهيرة التي كتبها باقتدار طاهر أبو فاشا.
كانت أمي تفتخر جدا بأنني الابن الوحيد من جملة أشقائي سواء من عاش منهم أو مات؛ الذي اختارت له أسمه؛ وكان في شهادة ميلادي الأولى حسام الدين؛ تيمنا باسم ذلك الأمير الذي سمعت أسمه في ليالي زوزو نبيل. وللأمانة أشعر إنها كانت موفقة في الاختيار؛ فأنا لم أكن أستسيغ أي أسم من الأسماء التي اقترحها أبي يوم مولدي؛ وخصوصا إنني قد جئت للحياة في ثوب ميت وإن كنت لا أدري السبب الذي حدا بهم أن يلغوا الدين في شهادة الميلاد الثانية وأصبحت حسام فقط وبدون أي دين أو أي علامة تدل عليه.
عندما سمعت ألف ليلة وليلة بشيء من التركيز حيث كانت تُعاد منذ فترة؛ أدركت يقينا أن أمي كانت محقة فعلا؛ فصوت زوزو نبيل كان صوت أنثى بكل ما تحمل الكلمة من معنى؛ وأن شهرزاد الحقيقية ما كانت لتنافسها في جمال صوتها؛ لكن كان الغريب قي الأمر حقا ورغم أن العمل إذاعي في المقام الأول؛ كيف استطاع أن يستحوذ على الناس بهذا الشكل والقصة كلها مجرد أصوات ومؤثرات صوتية منبعثة من جهاز الراديو؟؟
لكن المؤكد هنا أن جهاز الراديو بوجه عام كان جهازا تحريضيا لتنشيط خيالات الناس في المطلق؛ ولا أجافي الحقيقة إذا اعتبرت بشكل شخصي أن الراديو كان جهازا خطيرا وأداة تثقيفية من الطراز الأول؛ له رسالة ربما تقلص دورها الآن وبدأنا الاعتماد على ثقافة الصورة التي أضرت بالخيال أو القدرة على التخيّل عموما.
على ذكر الراديو؛ أذكر وأنا في طفولتي المبكرة ذلك التوثب الذي كنت ألحظه على وجه أمي وهي تستمع لغناء خضرة محمد خضر وفاطمة سرحان وشوقي القناوي في برامج زكريا الحجاوي في الغناء الشعبي؛ أزعم إنها لو كانت ستُمتحن في هذا الموضوع ما كانت لتركز بهذا الشكل.
لكن يظل برنامج أرشيف المحاكم في إذاعة الإسكندرية حالة خاصة جدا؛ فموسيقى هذا البرنامج محفورة في ذاكرتي فعلا؛ وكانت هذه الموسيقى تعمق عندي إحساسا معينا بالخوف والفزع؛ وخصوصا من ذلك الراديو الفيليبس المعالج بنظام صوت( دولبي) الذي يُجسم كل شيء من مفردات هذه الموسيقى المتميزة.
الغريب فعلا ما قاله لي أخي شوكت رحمه الله حين قال بالإنجليزية: flight of the bumble bee( طيران النحلة الطنانة )جزء مهم من هذه الموسيقى؛ وكنت أتسائل كيف يكون جزء من هذا الرعب له علاقة بالنحل أصلا؛ لكن مسألة جدال شوكت مسألة محفوفة بالمخاطر وإن كنت واقعيا لا أعرف باقي هذه المعزوفة لمن تنتمي وللآن أبحث عنه.
أعترف إنني من خلال الصديق القديم ( علاء البنا) عرفت إذاعة لندن الـ bbc ؛ وتواصلت معها استماعا وقراءة؛ حيث كانت ترسل لمن يريد مجلة مجانية بعنوان( هنا لندن) وظللت استلمها حتى ديسمبر 89 تقريبا. من هذه الإذاعة عرفت منير عبيد؛ ونجوى الطامي وفاروق الدمرداش؛ لكن يظل الصوت الأهم هو صوت جورج مصري أفضل من قال: هنا لندن بطول تاريخها.
مؤكد تعلمت الرحمة المتجهة إلى الحيوانات من أمي؛ فلا يمكن أن أنسى ذاك اليوم أبدا عندما راقبتني من نافذة البيت وشاهدتني وأنا أقذف كلبا بحجر بشكل تألم له الكلب جدا؛ للدرجة التي أصدر فيها صوتا كالأنين المكتوم. كان طبيعيا أن استمر في اللعب ولم أكترث ولم أك أعلم أنها رأتني أصلا؛ وحين رجعت إلى البيت وجدتها ممسكة بمقشة؛ ولعل جيلي يذكر هذه المقشة التي كان يقال لها (سمر) فلقد كان لها عصا غليظة جدا؛ وفي غفلة منّي ضربتني بها ضربة واحدة بكل ما تجمع لديها من قوة وغضب؛ صرخت متأوها فقالت لي في امتعاض: هو أيضا تأوه وصرخ ولكنك لم تسمعه. سألتها من هو؟ فكان الكلب الذي سددت إليه الحجر في الصباح.
كانت أمي للصدق من الأنماط البشرية الصعبة جدا؛ لا يمكن إقناعها بسهولة؛ تمتلك ذكاء فطريا غريبا؛ وتحليلات عقلية ومنطقية تخصها وحدها؛ أذكر أن عثرت على قطعة معدنية من فئة العشرة قروش وكانت جديدة ولامعة؛ أخبرتها أني وجدتها ولم تقتنع؛ كانت تشعر أن في الأمر شيئا؛ اتهمتني أني أخذتها من واحد من أترابي في الحارة وربما ضربته؛ نفيت بشدة؛ تعللت بأنها لو كانت كما أزعم لكانت قديمة ويعلوها الصدأ وليست جديدة بهذه الحالة؛ واعترف هنا وبكل فخر.. لا يوجد طفل في هذا العالم ضُرب بهذا الاختراع المؤلم( المنفضدة الخيزران) المخصصة للسجاد مثلما ضُربت أنا؛ وكنت افتخر في الكبر بأنني لم أكن أُضرب على الكذب وممارسته؛ بقدر ما كنت أُضرب على الصدق الذي لم يقنعها.
بالفعل كانت تكره الكذب جدا؛ تمقته وتعتبر من يمارسه لصا أو يكاد حتى في الأمور التي لا تبدو كذبا بقدر ما هي تداعيات خيال. فمثلا كان تدعو على الممثل محمود المليجي بالويل والثبور وعظائم الأمور لأنه شرير يمارس شروره في كل الأفلام بشكل فج يستفزها لأن تكرهه؛ ولكم حاولت أن أقنعها أنه طيب وأن هذا محض تمثيل ولكنها كانت تتعلل بأن هذا الشر الذي يظهر منه ما هو إلا من فيض روحه التي تعرف الشر وتمارسه؛ وهيهات أن أقنعها بالعكس .
ذات يوم؛ كانت تجلس أمام التلفاز وتتابع عملا لها؛ على خلفية أغنية مشهورة جدا لمحمد قنديل( سماح) وكنت مستغرقا في الاستماع لأني أحب هذه الأغنية فعلا؛ وهي في حالة صمت تتابع من بعيد؛ فجأة سمعتها تقول: وي.. ربنا يخذلك يا ضلالي.
سألتها لمن هذا الحديث توجهينه؟ فقالت لهذا الكذاب؛ ثم أشارت لمحمد قنديل؛ والحقيقة أن بالأغنية شطرة لم تقبلها أمي و
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ